أعتذر أولا للقارئ عن هذا العنوان الذي قد يبدو غير موفق، وإن كنت أراه الأكثر تعبيرا في الدلالة على ما وصلت إليه الحالة العربية على مختلف المستويات على خلفية الحرب الإسرائيلية على غزة. وتبريري أنه ليس من عندي وإنما من عند الكاتب الكبير عبد الرحمن الراشد مدير قناة «العربية» في حوار أدلى به مؤخرا لصحيفة عكاظ السعودية، وما ناقل الكفر بكافر حسب القول المأثور.
لقد راح الراشد يقول في انحياز لأداء قناته وفي توصيف للمشاهدين العرب يعبر عن الاحتقار ونستغرب أن يصدر عنه: «إذا كنت خروفا عليك أن تشاهد المحطات الأخرى أما إذا كنت تجد في نفسك صقرا حرا وتريد معرفة الحدث بتفاصيله الضرورية فإن «العربية» نافذة مفيدة لتشكل رأيك كاملا..».
الملحوظة الأولية التي ترد على الحوار المشار إليه هي الصراحة الكبيرة والجرأة في التناول من قبل المحاور عبد العزيز قاسم، وسعة صدر المتحاور ـ عبد الرحمن الراشد ـ بل وخفة دمه كذلك، على نحو نأمل معه أن يتسع صدره لنا أيضا.
غير أنه بعيدا عما سبق، يكشف الحوار عما يمكن اعتباره حرب باردة عربية ولكن على مستوى آخر وهو المستوى الإعلامي. وهو ما يبدو في الاقتباس السابق الذي يكشف عن هجوم غير مسبوق على الفضائيات العربية الأخرى واتهام إحداها بشكل خاص بأنها حولت نفسها إلى تعبوية دعائية.
ولقطع الطريق على أي جدال نقرر بداية أنه ليس هناك ما يمكن وصفه بإعلام «حيادي» وإنما كل إعلام له رسالة، بغض النظر عن طبيعتها.. وطنية أم غير وطنية.. أصيلة تنبع من العمل على خدمة الوطن، أم عميلة تقوم على خدمة أهداف الغير.. والمشكلة هي كيف يمكن تأدية هذه الرسالة بأكبر قدر من المهنية؟
ذلك هو المعيار الذي يمكن أن يكون أساس نجاح أو فشل أي وسيلة إعلامية. وإذا كانت هناك فضائيات نجحت في اختبار المهنية خلال تغطيتها الحرب على غزة، فإن أغلبها إن لم يكن جميعها سقط في اختبار الحياد.
وعلى ذلك فليسمح لنا الراشد أن نقرر بوضوح ما نراه من أنه في أزمة غزة «لم ينجح أحد» في امتحان الحياد، وقد تقدم إعلامنا الفضائي العربي صفوف الراسبين، سواء كان إعلام دول الاعتدال أم إعلام دول الممانعة أم الإعلام الذي يحلق في الآفاق الحرة مدعيا عدم الانتساب إلى دولة بعينها.
لقد كانت فضائياتنا مرآة كاشفة لحجم الانقسام السياسي العربي الذي لم نر مثله حتى فترة قريبة مضت، وعلى نحو كشف تبعيتها بشكل لا يقبل التأويل، حتى أن إحداها ممن تدعي أقصى درجات الحياد والحرص على الرأي والرأي الآخر أثبتت بشكل لا لبس فيه انحيازها وتحيزها لموقف الدولة التي تبث منها بغض النظر عن صحة المواقف التي تبنتها وهللت لها.
بصدد الحديث عن أداء «العربية» ـ موضع الحوار المشار إليه مع الراشد ـ فإنه مع الإقرار بحق الراشد في الدفاع عن القناة التي يديرها بمختلف الأساليب، فإنه قد يكون من المفضل ترك الحكم النهائي بشأن ما إذا كانت ممثلة لوجهة النظر الأميركية أم أنها قناة عبرية حسبما يروج البعض، تخدم الأهداف الإسرائيلية للبت فيه من قبل المشاهد.. الحكم الأخير على أي فضائية!.