ها هو العالم.. خال من جورج بوش الذي لوث سمعة وصورة أميركا بسبب سياساته التي لم تخل من جرائم حرب وخير شاهد عليها، ما جرى في سجن أبو غريب ومعتقل غوانتانامو، ناهيك عن مشاهد الدمار والقتل في حروبه التي جلبت العار للولايات المتحدة.

بوش.. رحل إلى مزرعته في كروفورد بتكساس ليتفرغ لتطريزها بمزيد من الأشجار والنباتات ولا يأمل له الأميركيون خيرا سوى أن يحافظ على نظافتها من خطر التلوث حفاظا على البيئة! العالم الآن بلا بوش، وهو خير لأميركا ولكل من تألم من خارج حدودها من سياساته على مدى السنوات الثماني الماضية.

استطلاع للرأي أجرته شبكة بي بي سي البريطانية وشمل 17 دولة في كل قارات العالم، كشف عن أجواء تفاؤل تسود العديد من العواصم شرقا وغربا لاختفاء بوش وبزوغ نجم أوباما. وهذا يعني عند البعض أن القادم خير خلف لشر سلف. خاصة وأن وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأميركية والأوروبية، أمطرتنا بكل ما لذ وطاب عن أوباما.

ولكن ما يقال عن أوباما مجرد أمان وآمال وإعجاب بالشكل والصورة والفصاحة في الحديث. وصدق الباحث الأميركي بجامعة ميرلاند الأميركية ستيفن كول الذي ساهم في إعداد استطلاع ال«بي بي سي» عندما قال «لا يجب إغفال ان انطلاقة اوباما بهذه الشعبية الكبيرة في العالم يعود جزئيا لتدهور شعبية بوش بشدة بعد ثمانية أعوام في البيت الأبيض». والحقيقة أن أوباما نال هذا الزخم من الإعجاب والاستحسان، لأنه أول أسود يعتلي كرسي الرئاسة الأميركية، ويتمتع بكاريزما أبهرت الأميركيين مثلما كان الرئيس الراحل جون كيندي خاصة.

يضاف إلى ذلك بالطبع وجهة نظر الباحث كول، بأن الرئيس الجديد خليفة لأسوأ رؤساء أميركا على مدى قرن أو أكثر، ولا يضاهيه في السوء سوى ليندون جونسون الذي أسقط أميركا في وحل فيتنام واضطر إلى أن يتخلى عن ترشيح نفسه للرئاسة لفترة ثانية، ورحل إلى مزرعته وهي أيضاً في تكساس.

لقد انشغل حملة الأقلام خلال الثلاثة أيام الماضية بتحليل خطاب التنصيب الذي ألقاه أوباما. وكان هناك إجماع على اتزان الخطاب وتوازنه وشموله. وما يهمنا فيما جاء بالخطاب هو حديثه عن العلاقة بالعالم الإسلامي إذ قال «نحن نسعى لنهج جديد قائم على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل».

وإذا كان قد أغفل في خطابه الحديث عن القضية الفلسطينية أو ما تسميه أميركا بالصراع في الشرق الأوسط، فإن ذلك سواء كان بقصد أو دون قصد- ربما يعني إتاحة الفرصة له ولمساعديه لإعادة قراءة الملف برمته في ظل المتغيرات والظروف التي تمر بالمنطقة والبحث عن صيغة أميركية جديدة في التعامل مع أطراف النزاع بشكل مقبول.

المهم.. أن يدرك أوباما أن سمعة بلاده في الحضيض بين أوساط الرأي العام داخل وخارج حدود الشرق الأوسط. وهو مطالب الآن بتطهير السياسة الأميركية من مخلفات سلفه الذي أعماه التعصب لإسرائيل عن اتخاذ موقف متوازن في المنطقة. عليه أن يسعى فعلا لا قولا إلى تحسين صورة أميركا في الشارع العربي والإسلامي.

ولن يتحقق ذلك بتخصيص مسؤول أو مسؤولة لمهمة تجميل الصورة كما فعل سلفه الذي اختار ثلاثا من النسوة لهذه المهمة وفشلن جميعاً. صورة أميركا تتحسن بالتزامها بنصوص القانون الدولي وتطبيقه على الجميع دون معايير مزدوجة. قد تظل أميركا القوة الأعظم في العالم، ولكنها لن تنال الاحترام إلا باحترام حقوق الآخرين.

hassaber@gmail.com