ينظر إليها البعض في الشارع وكأنها تقترف خطأ أو تتجاوز الخط الأحمر الذي رسمه لها المجتمع العراقي «الجديد»، لكنها لا تكترث غالبا لنظراتهم، فهي تقود سيارتها بالحذر الشديد الذي اتسمت به المرأة، خاصة بعد أن أضاء شيء من الأمان زوايا الشارع العراقي المظلمة، ليسير السائق الرجل بشجاعة وثقة، وتنزل المرأة السائقة إلى الشارع بعد انقطاع أو حرمان من السياقة التي باتت ضرورية للرجل والمرأة على حد سواء.
شعرت «بشرى» بسعادة بالغة وهي تقود سيارتها باتجاه المحافظة الجنوبية التي يسكنها أهلها، بعد أن سافر زوجها قبل سنتين، وصارت تضطر إلى زيارتهم في المناسبات بواسطة مركبات النقل الخاص، وتتحمل مع ولديها الصغيرين متاعب الطريق وصعوبة حمل الأمتعة.
تقول هذه السيدة إنها فضلت استخدام السيارة التي تركها لها زوجها في مرآب المنزل لقضاء متطلباتها اليومية وانجاز المعاملات الرسمية وإيصال أولادها إلى مدارسهم بدلا من دفع أجور خطوط النقل، فتعلمت السياقة في معهد لتعليم قيادة السيارات، ثم استعانت بشقيقها لتدريبها على الخوض في شوارع العاصمة بجرأة وثقة.
ضرورة ملحة
وتعتبر «بشرى» قيادة السيارة ضرورة بالنسبة للمرأة، مهما كانت نظرة المجتمع قاصرة تجاهها، ذلك لان المرأة العراقية بالذات تتحمل الجزء الأكبر من مسؤوليات المنزل، أو تعاني من غياب الرجل في ظل ظروف قاهرة، وضعتها بمواجهة مصاعب الحياة.
وبينما تجرب «سوسن» وهي طالبة جامعية في الثانية والعشرين من عمرها، قيادة سيارة والدها في منطقة سكناها، أملا في إتقان السياقة وتحقيق حلمها بشراء سيارة خاصة والذهاب بها إلى الجامعة، تروي شقيقتها الكبرى «أمل» وهي محامية، كيف واجهت صعوبات كبرى في الأعوام الأخيرة الماضية، وهي تقود سيارتها في شوارع بغداد.
وتقول إن تلك الظروف أرغمتها على التخلي عن قيادة السيارة مؤقتا، والاعتماد على والدها في إيصالها إلى عملها خوفا، من أعمال العنف التي سادت الشارع العراقي، على الرغم من أنها عمدت إلى وضع «الشال» على شعرها خوفا من الميليشيات.
وتؤكد «أمل» حقيقة عودة الأمان النسبي إلى الشوارع في الأشهر الأخيرة، ودليلها على ذلك قدرة المرأة على قيادة سيارتها من جديد، والتجول في شوارع العاصمة، وزيادة عدد النساء السائقات. ويؤيد ذلك «عمار رياض» صاحب معهد للتدريب على قيادة السيارات في شارع فلسطين، مشيرا إلى اطمئنان النساء مؤخرا من وضع الشارع الأمني، واستقرار اغلبهن ماديا، لدرجة شراء سيارات خاصة وقيادتها، والاعتماد على أنفسهن في إدارة شؤون حياتهن.
فالظروف القاسية ـ كما يقول رياض ـ عادت بالفائدة على المرأة العراقية، بإعطائها زخما كبيرا للتواصل مع الحياة، والتغلب على اليأس والحرمان، ومحاولة اللحاق بركب التطور الحضاري. وقد أثبتت دراسات حديثة أن المرأة اقل تسببا بحوادث السير مقارنة بالرجال، وأكثر التزاما بقواعد السير والسلامة المرورية.
وبسبب شدة الازدحام في معظم الشوارع بالعراق نتيجة قطع اغلب الطرق وتضييق الشوارع بالكتل الأسمنتية ونقاط التفتيش، تصبح السياقة في تلك الشوارع مرهقة، إضافة إلى الخطر الماثل عند مرور ارتال العربات العسكرية.
أقل نسبة حوادث
وعلى الرغم من ذلك، تسجل المرأة العراقية اقل نسبة من حوادث السير والمخالفات المرورية، كما يقول ضابط المرور سعد خلف، مشيرا إلى تعلق ذلك بسيكولوجية المرأة التي لا تتخلى عن الحذر والالتزام بتعليمات المرور حتى في الشوارع الخالية، لشدة حرصها على أشيائها الخاصة، وخشيتها من التعرض للإحراج والمحاسبة.
ويعدّ «خلف» اعتراف المرأة السائقة بأخطائها أمام رجل المرور واستخدامها أسلوب الدبلوماسية في التعامل معه، وسيلة ناجعة لتخليصها من الغرامات المرورية، في الوقت الذي يصر اغلب الرجال على مخالفاتهم، مستخدمين الخشونة والتهور أسلوبا للتعامل، وقيادة المركبات في الشوارع، ما يعرضهم وعوائلهم إلى الموت أحيانا.
ولا يضع سائق الشاحنة سعيد مطير حذر المرأة في خانة الشطارة، فهو يسخر من فرارها من أمامه حين يعترض طريقها، ويقول إن وجودها في الشارع لا ضرورة له. إلا أن الناشطة النسوية ندى العبيدي تعترض على ما ذهب إليه «مطير»، مشجعة المرأة العراقية على خوض جميع المجالات التي فاتتها في السنوات الماضية، وابسطها قيادة السيارة.
فالمرأة العراقية تجاوزت القيادة ترفا، كما تقول «العبيدي» إلى قيادة سيارة أجرة، ومثالها على ذلك الأرملة الأربعينية «أم احمد» التي قتل زوجها في حادث غادر إبان مرحلة العنف الطائفي، فوجدت نفسها مضطرة للعمل في أية مهنة شريفة للإنفاق على أطفالها الثلاثة، لذا فكرت تلك الأرملة في بيع سيارة الأجرة التي تركها لها زوجها واستغلال ثمنها في إي مشروع متواضع، لكنها خشيت من ضياع السيارة وثمنها دفعة واحدة بخسارة المشروع، فقررت استغلال السيارة ذاتها وقيادتها بنفسها، خاصة وإنها كانت تجيد السياقة.
وهكذا تحولت أم احمد إلى «سائقة تاكسي»، واقتصر عملها على الأماكن القريبة من منطقتها، وحمل العوائل والنساء فقط، على الرغم من الدهشة الكبيرة التي ترتسم على محيا كل من يوقف سيارتها ويكتشف إنها امرأة.
بغداد ـ « البيان»