ينظر السوريون بتفاؤل حذر إلى التبادل الدبلوماسي بين سوريا ولبنان والذي يفترض أن يحدد طبيعة العلاقة السياسية المستقبلية بين البلدين، بعد فترات التوتر التي شابت تلك العلاقة منذ انسحاب القوات السورية من لبنان، وخاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ويقول بسام علي «موظف»: إن وجود تبادل دبلوماسي بين سوريا ولبنان هو «خطوة جيدة جدا وطبيعية من حيث الشكل، وهذا هو المفترض في نمط العلاقات بين الدول العربية، ولكن من حيث المضمون هناك خلل أساسا في العلاقة بين سوريا ولبنان ولن يغير إعلان التبادل الدبلوماسي بينهما في شيء.
ويضيف: «حتى الآن لم يبلغ لبنان سُن الرّشد فهو لا يدري أين يضع موطئ قدمه لأنه ضائع بين الشرق والغرب، وبالتالي وجود تمثيل دبلوماسي سينعكس سلبا على العلاقات بين سوريا ولبنان نتيجة الأحداث التي مرّ بها لبنان منذ نشأته وحتى الآن.» فيما يرى موريس عائق «صحافي» أن تبادل السفارات بين سوريا ولبنان لا يعد كونه خطوة رمزية «لها محاسن الخطوات الرمزية لكن لا إضافات حقيقية على أرض الواقع».
ويضيف: «الاستقلال ممارسة، وهي ممارسة يقوم بها المستقل وأكاد أقول يفرضها المستقل أيضاً على غيره ممن يدّعي أنه مُستقل عنهم. من هذا الباب لا أرى أن تبادل السفارات بين سورية ولبنان له كبير الأهمية في تحصين استقلال لبنان لأن كرة الاستقلال ستبقى دوماً في ملعب لبنان. لكن من جهة ثانية إن كان تبادل السفارات يمنح اللبنانيين أو جزءاً منهم ولو حتى شعور بسيط من الرضا فلم لا؟ وما الضرر؟ فمن هذا الباب أتمنى أن يكون لتبادل السفارات دور إيجابي في تحسين «مزاج» العلاقات بين البلدين».
من جانبه يقول أيهم ديب «ناقد فني»: «أنت لا تريد العودة إلى السؤال الأول: هل لبنان وسوريا شعبان في دولتين؟ ولا تريد أن تسأل فيما إذا كان الفطام الدبلوماسي بين الدولتين سيسهم في نمو ونضج كل منهما حتى لا نقول لبنان وحده و كأننا نتبعه إلى سوريا أم لا.»
ضد كل السفارات
ويضيف: «لست عتيداً في العمر وإن كنت أعرف لبنان مقاوماً أو لبنان حاضراً ولكني لا أعرف كيف يكون لبنان مستقلاً. وما يجعل لبنان عصياً عن الاستقلال هو تركيبته الاجتماعية من جهة وآليات إنتاج «البروفايل» السياسي من جهة أخرى. وهذه ليست مذمة ولكنها وصف لحال من عدم الاستقرار لدولة أنتجها التقسيم السياسي الذي أنتج دول المنطقة ولا أقصد هنا الاسم المغرق بالقدم بل دولة لبنان الحديث».
ولكن ديب يعود ليؤكد أنه ضد كل أشكال السفارات و«ما تمليه السياسة على الفرد من عنف، فالسفارات والتمثيل الدبلوماسي لا علاقة لها دائماً بمصالح الشعوب وآمالها وأحلامها ولا تشكل أية ضمانات». ويضيف: «إن عدم وجود سفارات بين الدولتين لم يضمن الحب المزعوم أو المشتهى. وافتتاح سفارات ليس من المؤكد انه سيكرس كراهية أو حب جديد. السياسة باب مفتوح على التغيير.
وإن سألتني من يحركني وجدانياً في لبنان وإلى جانب من أقف وضد من لأجبت و بالتحديد، ولكن هذا يجعلنا نتحدث عن «عدة لبنانات» وليس عن لبنان واحد. وهذه أزمتنا مع لبنان وأزمة اللبنانيين فيما بينهم.» .
فيما يرى ثائر دندش «موظف» أن خطوة افتتاح سفارات بين الدولتين «جاءت متأخرة نوعا ما، وكان يجب قيام ذلك قبل سنوات عديدة وخاصة بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان»، مشيرا إلى أنه كان المفترض على سوريا أن تفكر بالخروج من لبنان وإجراء تمثيل دبلوماسي معها منذ ذلك الوقت، «لأننا لا نستطيع أن ننكر قيام أخطاء خلال الوجود السوري في لبنان وهو أمر أكده الرئيس السوري بشار الأسد أكثر من مرة».
تضحيات يجب تذكرها
ويضيف: «لا شك أن البعض استغلّ رد الفعل الشعبي تجاه الوجود السوري في لبنان ليتناولوا بالتجريح بعض الشخصيات السياسية في سوريا، متناسين حجم التضحيات التي قدمتها سوريا للبنان وعدد الضحايا الذين استشهدوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، فضلا عن دعمها للمقاومة اللبنانية في حربها ضد إسرائيل، ولو كان هناك تمثيل دبلوماسي حقيقي بين البلدين لما تجرأ هؤلاء على ذلك».
من جانبه يقول أسامة مهنا «أكاديمي»: «تأتي هذه الخطوة لتزيل الهواجس والشكوك حول مدى مصداقية الحكومة السورية في إقامة علاقات دبلوماسية، ولتؤكد مصلحة سوريا أن يكون لبنان مستقلا، وتقطع الطريق على البعض الذين اتخذوا من سوريا شماعة يعلقون عليها أخطاءهم السياسية».
ولكن مهنا يؤكد بالمقابل أن قيام سفارة في بلد ما لا يضمن استقلالا كليا له، «إذ أن قيام سفارات بين أميركا ومعظم الدول العربية لا يعني أن القرار السياسي لهذه الدول مستقل عن أميركا، فقبل أن يطالب اللبنانيون بالاستقلال عن سوريا يجب أن يكونوا مستقلين في اتخاذ قراراتهم».
فيما يشير مازن بلال «محلل سياسي» إلى أن التمثيل الدبلوماسي يعد ثاني خطوة هامة في تاريخ سوريا ولبنان الحديثين، مشيرا إلى أن الخطوة الأولى كانت عندما فك خالد العظم الارتباط النقدي بين البلدين «ربما كان لخطوته بعض الآثار الإيجابية على سوريا أو لبنان لكن في النهاية وجد نظاما ثنائيا يمنع التفاعل الحقيقي في الاقتصاد على الأقل بين البلدين».
ويضيف: «اليوم سنشهد فصلا جديدا له علاقة بالآثار السياسية ،ربما يكون الأمر واضحا بالنسبة لسوريا، لكن بالنسبة للبنان هناك انقسامات سياسية حادة، وهذا الأمر سيؤثر حتما على سير العلاقات». ويؤكد بلال أنه -على المستوى القريب- سيكون هناك ضرورة لإيجاد توافق بين وجود السفارات والمجلس الأعلى السوري اللبناني «لأنه على امتداد السنوات الماضية وجدت قوانين سهلت من حركة الاقتصاد على الأقل بين البلدين، لكن في حال ظهور قوانين جديدة أو حتى إجراءات فإن هذا الأمر سيعود سلبا على البلدين من الناحية السياسية».
ويضيف: «على المستوى البعيد سيساعد هذا الموضوع «العلاقات الدبلوماسية» على إيجاد توازن في العلاقات بين المؤسستين السياسيتين، رغم أن المؤسسة السياسية في لبنان تتبع لمرجعيات ثلاث منقسمة بين مجلس النواب ومجلس الوزراء والرئاسة، وهو أمر ربما يؤجل العلاقات بين البلدين».
ويتابع: «بشكل عام العلاقات بين البلدين - سواء وجد تمثيل دبلوماسي أم لا- يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع الجيوستراتيجي، بمعنى أن هناك احتياجات أمنية سورية يفرضها وجود إسرائيل، وهو موضوع حكم العلاقة بين البلدين على امتداد العقود السابقة».
إضاءة
يقول بسام علي «موظف»: إن وجود تبادل دبلوماسي بين سوريا ولبنان هو «خطوة جيدة جدا وطبيعية من حيث الشكل، وهذا هو المفترض في نمط العلاقات بين الدول العربية، ولكن من حيث المضمون هناك خلل أساسا في العلاقة بين سوريا ولبنان ولن يغير إعلان التبادل الدبلوماسي بينهما في شيء.
دمشق ـ حسن سلمان