بتسلم باراك أوباما مقاليد الرئاسة الأميركية، يرث عالماً معقداً، حافلاً بالمشاكل، أكثر مما كان عليه، قبل ثماني سنوات، عندما تولى الرئاسة جورج بوش، حيث كان للسياسة الخارجية التي اتبعها خلال السنوات الثماني الماضية، ونفذها مع أركان إدارته بأسلوب اتسم بالتعالي والحمق والتفرد، دور أساسي في تعقيد المشاكل وزيادتها. وألحق ضرراً كبيراً بصورة وسمعة الولايات المتحدة والثقة بها وبمصداقيتها في العالم، وخلق أعداء جدد لها.
وكان ذلك السبب الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، وراء الترحيب الشعبي والرسمي العالمي، غير المسبوق، بفوز أوباما بالرئاسة، والتطلع إلى التغيير المطلوب في سياسة الولايات المتحدة، وتعاملها مع دول العالم ومشكلاته، وهذا ما أكد عليه أوباما طوال حملته الانتخابية، وبعد فوزه بالرئاسة، وكذلك فريق الإدارة الذي اختاره. فقد أكد الرئيس أوباما أنه عازم على التعاون مع حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها، واستعادة ثقتهم بالولايات المتحدة وقيادتها، وتقوية وتعزيز العلاقة معها.
وقال إن هذا الأمر يحتل أولوية متقدمة جداً على الأجندة الدولية لإدارته، بل قال: «إنه مستعد للحوار دون شروط مسبقة، ولكن بحزم ووضوح، مع الخصوم والأعداء»، وأكد أنه سينتهج أسلوباً متعدد الأطراف، قائماً على التعاون والتشاور مع الحلفاء والأصدقاء. لتحسين صورة الولايات المتحدة من جهة، وحل المشاكل من جهة ثانية. كما أكد أن الدرس المستفاد من سنوات رئاسة سلفه بوش الثماني هو: «أن سياسة التفرد والتعالي والاستخفاف بالدول الأخرى قد ثبت فشلها».
وقال: إنه سيتبع نهجاً وأسلوباً مختلفاً في التعامل مع المجتمع الدولي «في إطار الدور القيادي الذي تضطلع به الولايات المتحدة، لمواجهة التحديات أمامها وأمام العالم، وسعيها لحل المشاكل والأزمات».
اجندة حافلة بالقضايا
وتبعاً للمشاكل الكثيرة التي يواجهها العالم، والتي كان لسلفه بوش دور كبير في تعقيدها، وخلق المزيد منها، فإن أجندة الرئيس أوباماً على الصعيد العالمي حافلة بالقضايا التي تحتل أولويات حددها في أكثر من مناسبة وهي: «غلق معتقل غوانتانامو« وإعادة بناء علاقات التعاون الفعال مع الحلفاء والأصدقاء في العالم، وإصلاح وتفعيل المؤسسات والمنظمات الدولية، لتكون قادرة في التعامل مع قضايا لا تستطيع الولايات المتحدة حلها بمفردها مثل تغيرات المناخ».
وفي سرده لقضايا أجندته الدولية، قال: «إنها كثيرة جداً، ليس فقط ستشغله خلال سنوات رئاسته، بل ستشغل أيضاً الرئيس الذي سيخلفني». ومنها: حظر انتشار الأسلحة النووية ومشاكل التنمية والفقر في العالم، «التي تشكل تحدياً قوياً لسياستنا الخارجية». ولأهمية وأولوية هذه القضية، قال: إنه مع وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، ووزير دفاعه روبرت غيتس، ومستشاره للأمن القومي الجنرال جيمس جونز متفقون على نقل المساعدات الخارجية الأميركية على أجندته، لتحتل موقعاً مركزياً لأمننا القومي» لأن الفقر يعتبر البيئة الصالحة للإرهاب أكثر من أية بيئة أخرى.
وعلى أجندته الدولية، ستحتل قضايا دول أميركا اللاتينية دوراً وموقعاً، بعد تجاهل واستخفاف بها، من قبل سلفه بوش، إذ قال الرئيس أوباما: «إننا سنعطي انتباهاً أكثر لأميركا اللاتينية، لقد تجاهلنا جيراننا القريبين في محيطنا، وهناك اليوم فرص كبيرة محتملة لنا للعمل مع دول في محيطنا مثل البرازيل، حيث تتقدم علينا في موضوع الطاقة».
ولا يخفي الرئيس أوباما أنه سيعيد النظر في الاتفاقيات التجارية بين بلاده، ودول أميركا الوسطى والجنوبية، فهو من منتقدي بعض الاتفاقيات التجارية القائمة، ومع ذلك فإنه ليس ضد حرية التجارة، ولكنه سيعيد النظر والتدقيق في الأساليب وما تضمنته صياغة بعض الاتفاقيات من بنود.
وفي تعامل الولايات المتحدة مع جيرانها، يتوقع أن يفتح الرئيس أوباما صفحة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا،التي مضى على مقاطعة الولايات المتحدة لها وفرض حصار اقتصادي عليها خمسون عاماً، وينتظر المراقبون، والكوبيون قبل غيرهم، ما إذا كان شعار التغيير الذي رفعه أوباما خلال حملته الانتخابية ولايزال ملتزماً به، سيطال العلاقات الأميركية ـ الكوبية.
وفي مؤشر مهم على رجحان حصول ذلك، قول أوباما: إنه مستعد «لبدء محادثات مباشرة مع الرئيس الكوبي راؤول كاسترو». وإعلانه أنه، وحسب شروط معينة، سيتخذ خطوات لكسر الحصار الاقتصادي الأميركي على كوبا، مثل تسهيل السفر من أميركا إلى كوبا، وتحويل الأميركيين من أصل كوبي أموالاً إلى كوبا، وتخفيف حظر التبادل التجاري، واتباع سياسة معتدلة بشكل عام، تكون بداية لصفحة جديدة، وقطيعة لسياسة أميركية استمرت خمسين عاماً.
ويعطي الرئيس أوباما على جدول أجندته العالمية أولوية وأهمية خاصة للعلاقة مع كل من الهند والصين، كقوتين عالميتين صاعدتين، لما يتوقع أن تقوما به من دور هائل في النظام الاقتصادي العالمي، الذي يعطيه أوباما أولوية كبرى، لارتباطه بمعالجة أسوأ أزمة مالية واقتصادية تواجهها الولايات المتحدة منذ 80 عاماً، وتهدد الاقتصاد الأميركي بالانهيار. وهي أول قضية تحتل أولى أولويات أجندة إدارته سواء على الصعيد الداخلي، أم الخارجي.
أوضاع باكستان
ومن أبرز ما يحتل أولوية على أجندة الرئيس أوباما العالمية ما تمثله باكستان من تحد هائل لإدارته، فكبار مسؤولي إدارته يعترفون باكستان: «مصدر قلق كبير وتحد للولايات المتحدة، نظراً لمجموعة من العناصر الموجودة في باكستان مثل امتلاكها للسلاح النووي، ووجود الإرهاب والجماعات الإرهابية فيها، والفقر، والفساد، والاقتصاد الضعيف، وضعف الحكم، وموقعها الاستراتيجي».
ولذلك كله تعطي إدارة أوباما أولوية وأهمية قصوى لباكستان والوضع فيها، نظراً لارتباط باكستان بقضايا أخرى، تحتل أولوية على أجندة أوباما الدولية وهي مكافحة الإرهاب، والحرب في أفغانستان والاستقرار في شبه القارة الهندية، ووسط آسيا،طبقا لأغراض وأهداف الاستراتيجية الأميركية.
وقد أعترف الرئيس أوباما فقال عن الحرب والمشكلة التي تواجهها بلاده في أفغانستان: «أن الأمر ليس مشكلة أفغانية بهذه البساطة بل إن المشكلة مترابطة وهي أفغانستان ـ باكستان ـ الهند ـ كشمير ـ إيران. وهذه تحتل أولوية على أجندتي». وقال مشيراً إلى الترابط والتشابك بينها: «إننا لن نقدر على حل مشكلة أفغانستان دون حل مشكلة باكستان».
وأكد أن إدارته ستسعى إلى حل إقليمي للمشكلة المتشابكة، يشمل باكستان والهند وإيران وأفغانستان». ومن هنا يتسم بالأهمية ما قاله الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة الأميركية المركزية «الوسطى» مؤخراً وهو أن هناك مصالح مشتركة لكل من إيران والولايات المتحدة في أفغانستان.
وفي إطار الأولوية التي تعطيها إدارة أوباما لباكستان، يجري العمل لوضع استراتيجية جديدة تجاه باكستان والمنطقة عموماً. من أبرز المعنيين بها جوزيف بايدن نائب الرئيس أوباما، الذي قام بجولة في المنطقة حيث يدعو إلى أن تعتمد الاستراتيجية الجديدة تقوية الحكم وسلطة القانون في باكستان، وخلق فرص اقتصادية.
وفي أجندة الرئيس أوباما على الصعيد الدولي، إعطاء اهتمام وأولوية للقارة الإفريقية، أكثر من أي وقت مضى، ليس إنطلاقاً من شعور كثير من الشعوب الإفريقية بان أوباما سيكون «المخلص» لهم من مشاكلهم، لكونه ينحدر في أصوله من كينيا. بل انطلاقاً من المصالح الأميركية في القارة الإفريقية. وأولها المصالح الاقتصادية. التي بدأت الولايات المتحدة توليها اهتماماً واضحاً منذ قرابة عقدين، وزاد هذا الاهتمام مؤخراً بتشكيل «القيادة الإفريقية» الأميركية العسكرية للقارة الإفريقية.
ومن هنا فإن الرئيس أوباما وإدارته مدركون للأهمية المتعاظمة للقارة الإفريقية، ولذلك فان الولايات المتحدة بقيادة أوباما ستلعب دوراً مهماً في دفع وتعزيز التعاون الإقليمي في المجالين السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية، حسب قول مستشارين في إدارته، كما أن الرئيس أوباما سيعطي ومنذ الأسابيع الأولى لرئاسته اهتماماً بالوضع في الصومال.
وأزمة دارفور، المتوقع أن تقود سوزان رايس المندوبة الدائمة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، اشرس معركة دبلوماسية وسياسية ضد الحكومة السودانية في مقبل الأيام والأسابيع، ولن تتردد في الدعوة إلى أن يفرض مجلس الأمن حظر طيران في أجواء دارفور على غرار ما كان مفروضاً على العراق، أيام نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وفي نطاق الاهتمام بإفريقيا، ستبدأ إدارة أوباما خطوات نحو توسيع التبادل التجاري مع دول القارة، وتعزيز فرص التنمية، وإنشاء صندوق دولي للتربية. وتبقى معضلة كوريا الشمالية وسلاحها النووي، قائمة وتحتل أولوية على أجندة الرئيس أوباما، والعلاقات مع روسيا، التي تدخل مرحلة تعود فيها الحرب الباردة بين البلدين، إذا أصرت الولايات المتحدة على إدخال جورجيا في حلف الناتو، ونشر الدرع الصاروخي فيها وغيرها من الدول المحيطة بروسيا.
ثم هناك الحلفاء الأوروبيون الذين «استعداهم» الرئيس بوش بسياساته، فهم في انتظار أن يبدأ الرئيس أوباما فوراً التغيير الذي نادى به لاستعادة الثقة وعلاقة التعاون والتحالف بينهم وبين الولايات المتحدة. وهي أولوية أولى أكدها الرئيس أوباما الذي قدم وعوداً كثيرة هائلة وضخمة، في الداخل والخارج. يتعين عليه الوفاء بها وتنفيذها. وهذا ينتظره ويترقبه الأميركيون والعالم. ولكن الواقع والحقائق تشير إلى أن التغيير الذي وعد به لن يكون سريعاً، وأن الوفاء بالوعود ليس مضموناً.
واشنطن ـ محمد صادق