كان رحيل بطريرك الكنيسة ألأرثوذكسية الروسية أليكسي الثاني في الخامس من ديسمبر حدثا كبيرا مثل صدمة كبيرة لأوساط عديدة سواء في روسيا أم خارجها، حيث قطع الرئيس ميدفيديف زيارته للهند وعاد فور سماعه النبأ وأجل زيارته لإيطاليا، كما قطع وزير الخارجية لافروف اجتماعاته مع وزراء الخارجية الأوروبيين في هلسنكي وعاد على الفور لموسكو.
وصرح رئيس الوزراء بوتين بأن وفاة البطريرك حدث مفجع وخسارة كبيرة لروسيا، كما اتصل بالكنيسة رئيس مجلس مسلمي روسيا عثمان إسحاقوف من السعودية أثناء أدائه فريضة الحج ليعبر عن حزن الحجاج الروس وصدمتهم الكبيرة في وفاة البطريرك الذي كان يشكل دعامة كبيرة للمسلمين الروس وللدين الإسلامي بمواقفه العظيمة.
في تفسير تلك الأهمية نستعرض هنا جوانب من مواقف البطريرك الروسي التي جعلته أحد أهم الرموز الروسية في الفترة الأخيرة. في هذا الصدد يذكر أن البطريرك الروسي أليكسي الثاني كان له مقولة شهيرة قال فيها «إن مسلمي روسيا أقرب للكنيسة الروسية من طوائف مسيحية عديدة»، وهي المقولة التي سببت غضبا شديدا عليه من الكاثوليك وغيرهم، وأيضا من يهود روسيا الذين اتهموه عام 2006 بالعداء للسامية بسبب تأييده الواضح لنضال الشعب الفلسطيني وحقه في دولة مستقلة ودعوته في مارس 2006 لوفد حركة المقاومة الفلسطينية حماس لزيارة الكنيسة أثناء زيارتهم لموسكو.
كما أن للبطريرك مواقف مشهودة مع المسلمين سببت عداء وكراهية شديدة للكنيسة الروسية من جانب اليهود والفاتيكان والكنائس الأخرى، منها تصريحاته التي قال فيها «المسلمون حلفاء أوفياء للكنيسة الأرثوذكسية الروسية على مر التاريخ، ولقد عاشوا في روسيا بجوار إخوانهم المسيحيين الأرثوذكس في وئام ومودة لمئات السنين ولم يحدث بينهم أية خلافات تذكر، وناضلوا معهم جنبا إلى جنب في الدفاع عن الوطن ضد المعتدين بينما غيرهم من الطوائف الدينية الأخرى تعاملوا مع الأعداء ضد مصالح الوطن».
وكان البطريرك أليكسي الثاني أعلن استنكاره التام لتصريحات بيندكت السادس عشر بابا الفاتيكان التي تناول فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأصدرت الكنيسة الروسية بيانا بهذا الصدد تشيد فيه بالإسلام وروحه السمحة على مر التاريخ وتستنكر تدخل سياسات الدول في العلاقات بين الأديان، وتدين مواقف الفاتيكان السياسية وتعتبرها موالية لسياسات تدعو للفتنة بين المؤمنين في العالم كله، كما سبق أن أدان البطريرك أليكسي الثاني بشدة الرسوم الكاريكاتورية المهينة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام التي نشرتها بعض الصحف الغربية وقال إن هذه الأفعال تعكس مدى الانحلال الخلقي في الغرب.
المحافظون والليبراليون
ويهدد رحيل أليكسي الثاني والصراع الدائر الآن في روسيا وخارجها على خلافته وحدة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، حيث يوجد في الكنيسة تياران متصارعان دائما، وهما التيار المحافظ الذي يرفض انخراط الكنيسة في العمل السياسي واقترابها الملحوظ من السلطة في روسيا، ويطالب المحافظون باقتصار الكنيسة على العمل الديني فقط، أما التيار الآخر الليبرالي والذي ينتمي إليه البطريرك الراحل فيؤمن بارتباط الكنيسة بالمجتمع وضرورة تفاعلها مع قضاياه السياسية والاجتماعية ودعمه للسياسات الإصلاحية في روسيا.
وعلى الرغم من أن العداء الشيوعي للدين والكنيسة في الحقبة السوفيتية كان أكثر ضد الليبراليين محاولا إبعاد الكنيسة عن المجتمع، إلا أن الغرب والفاتيكان وحتى اليهود الروس أيدوا التيار المحافظ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وخاصة بعد وصول الرئيس السابق بوتين للحكم عام 2000 بسبب دعم الكنيسة لسياسات الكرملين والنظام الحاكم، وهي السياسات التي رأى فيها الغرب عودة لسياسات الحرب الباردة السابقة.
ويترك هذا الانقسام والصراع الآن أثاره الواضحة على الصراع على خلافة البطريرك أليكسي الثاني، حيث إنه وفقا لنظام الكنيسة الأرثوذكسية في حالة وفاة أو عزل البطريرك تجرى انتخابات لاختيار خليفته خلال مدة أقصاها ستة شهور، ويتقدم المرشحون للرئاسة من الأساقفة الأكبر سنا من المجمع الكنسي من ممثلي كافة الكنائس والأبرشيات الأرثوذكسية الروسية في مختلف أنحاء العالم.
وتدور المنافسة الآن بين مرشح التيار الليبرالي وزميل البطريرك الراحل المطران كيريل مسؤول العلاقات الخارجية في الكنيسة الروسية، ومرشحين أخرين، أشهرهم المطران كليمنت من المحافظين والمطران يوفينتال وفيلاريت من جمهورية بيلاروسيا وكلاهما من المحافظين، ويسعى الفاتيكان للتدخل في هذه الانتخابات بجانب المحافظين.
صراع الكنيستين
وفي ظل الصراع والخلافات بين روسيا وأوكرانيا حاولت السلطات الأوكرانية دفع البطريرك برثلماوس الأول رئيس الكنيسة الأوكرانية إلى إعلان استقلال الكنيسة عن الكنيسة الروسية لكنه رفض، خاصة بعد أن علم أن هناك مخططا بعيد المدى من الفاتيكان لإحلال الكاثوليكية محل الأرثوذكسية في أوكرانيا التي هي في الأصل مهد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عام 988 ميلادية.
ويقول الباحث اللاهوتي الشماس الروسي أندريه كوراييف «إن تاريخ الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية الروسية والكاثوليكية الغربية التي يمثلها الفاتيكان في إيطاليا مليء بالصراعات على مر التاريخ منذ انقسامهما في القرن العاشر الميلادي، وقد اعتنقت روسيا وأوكرانيا الأرثوذكسية من قبل هذا الصراع في القرن التاسع.
ومنذ اعتناقهما لها والصراع دائر بينهما وبين الكاثوليك حتى الآن، وعلى رغم وجود عشرات الآلاف من الكاثوليك في روسيا ونحو عشرين كنيسة كاثوليكية بجانب أكثر من تسعة ألاف كنيسة أرثوذكسية، إلا أن أرض روسيا لم تطأها حتى الآن قدم أي بابا من بابوات الفاتيكان على رغم إبدائهم جميعا رغبتهم وشوقهم لهذه الزيارة حتى في زمن الشيوعية السوفيتية».
انتقاد للفاتيكان
ومازال الصراع الحاد بين الكنيستين دائرا حتى الآن، وأخر تداعياته كانت في ديسمبر عام 2006 بعد التصريحات التي أدلى بها البطريرك الراحل أليكسي الثاني يهاجم فيها الكنيسة الكاثوليكية ويتهمها ببث حملات تبشيرية وسط أتباع الكنيسة الروسية الأرثوذكس في روسيا وأوكرانيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، كما اتهم أيضا الفاتيكان بأنه وراء هذه الأعمال، وأكد على رفضه القاطع لمقابلة بابا الفاتيكان وعدم دعوته لزيارة روسيا إذا لم يتوقف الفاتيكان عن سياساته العدوانية تجاه روسيا والشعب الروسي.
تقول الباحثة الروسية يوليا تاراتوفا إن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تنظر للكنيسة الكاثوليكية الغربية والفاتيكان باعتبارهما أدوات في يد السياسة الغربية التي مازالت تكن العداء لروسيا وتسعى إلى تفتيتها وإضعافها، وحذرت الكنيسة الروسية بشدة من توغل الكنيسة الكاثوليكية، ولكن نظام الحكم في عهد الرئيس الروسي السابق يلتسين لم يعير الأمر اهتماما خصوصاً في ظل سيطرة الإصلاحيين الجدد الموالين للغرب وواشنطن على الكرملين، أما الآن وفي عهد الرئيس بوتين فقد تغيرت ألأوضاع والظروف وأخذت الاتجاه العكسي المناهض للغرب بمعتقداته وأدواته.
يقول زفيسفولود تشابلينس المتحدث باسم بطريركية موسكو «إن إعادة التفاهم والمودة بين المسيحيين لن يتم إلا بعد أن تغير الكنيسة الكاثوليكية سياستها وتبتعد عن سياسات الحكومات الغربية وتعود إلى الإيمان الحقيقي بالله»، ويرى تشابلينس أن انقسام الكنيسة في الماضي كان قرارا سياسيا وليس دينيا.
وأنه جاء نتيجة استعلاء الغرب على الشرق واعتبار الغربيين أنفسهم أسياد العالم وأصحاب الحضارة وأن من حقهم استعباد شعوب الشرق الفقيرة وتعليمها كيف تعيش، ومازالوا يريدون أن يلعبوا هذا الدور والفاتيكان للأسف يدعمهم ويساعدهم في ذلك وينظر لأتباع الكنائس الشرقية على أنهم متخلفون وضالون ويجب إرشادهم للطريق الصحيح.
رفض زيارة البابا
وكان بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني قد التقى في فبراير 2003 بالرئيس الروسي بوتين في مقر الفاتيكان وقدم في حضوره اعتذاراً علنيا عن ألف سنة من الأخطاء التي ارتكبها الكاثوليك بحق الأرثوذكس، وعبر البابا عن أمنيته الكبيرة أن يزور روسيا ليكون أول بابا للفاتيكان يزور روسيا ويضع حدا للخلافات مع الكنيسة الأرثوذكسية.
وأبدى بوتين ترحيبه بالزيارة واستعداده لبذل مساعي لتسوية هذه الخلافات، ولكن البطريرك الروسي أليكسي الثاني رفض زيارة بابا الفاتيكان لروسيا كما رفض اعتذاره قائلاً «لا نريد اعتذارات أمام الكاميرات ووسائل الإعلام.. نريد تطبيق على أرض الواقع وأفعال تثبت صدق النوايا».
وتترك هذه الصراعات بين الكنيستين انطباعاتها وتداعياتها على الانتخابات القادمة لاختيار البطريرك الجديد للكنيسة الروسية، والمتوقع أن يدعم فيها الفاتيكان والكنائس الأخرى وأيضا اليهود الروس التيار المحافظ ومرشحيه ضد التيار الليبرالي المؤيد من الكريملين و من غالبية الشعب الروسي.