في مثل هذا اليوم من عام 1965، رحل أشهر سياسي في القرن العشرين على الاطلاق هوالسير ونستون تشرشل. ذلك السياسي الداهية صنفته بريطانيا كأعظم بريطاني في التاريخ في استطلاع للرأي أجري قبل ست سنوات. بل أن شبكة بي بي سي قالت أنه «إذا كان يمكن أن تختزل بريطانيا بغرائبها وقلبها الكبير وقوة شخصيتها بشخص واحد، فإن هذا الشخص يجب أن يكون ونستون تشرشل».
كان بالفعل رجل دولة و جندي ومؤلف وخطيب مفوه. شغل منصب رئيس وزراء بريطانيا عام 1940أي حكمها خلال الحرب العالمية الثانية، واستطاع رفع معنويات شعبه حيث كانت خطاباته إلهاماً عظيماً إلى قوات الحلفاء. وكان أول من أشار بعلامة النصر بواسطة الاصبعين السبابة والوسطي.
ورغم أنه خريج كليات عسكرية، إلا أنه أطلق العنان لطموحاته السياسية وهو في سن مبكرة وصار عضوا في مجلس العموم البريطاني «البرلمان» عن حزب المحافظين عام 1901 وعمره 27 عاما. ويقال أنه انتقل الى حزب الأحرار عام 1904 لتعاطفه مع الأفارقة الوطنيين واعتراضه على بعض مشاريع القوانين.
وأول منصب حكومي شغله هو نائب وزير المستعمرات،كما أختير قائدا للقوات البحرية وشارك في تحديث الأسطول في مواجهة القوة البحرية الألمانية. وعندما سقطت حكومة الأحرار وحلت محلها حكومة ائتلافية من الأحرار والمحافظين عام 1915أي في بدايات الحرب العالمية الأولى، كان الشرط الأول للمحافظين للقبول بالتحالف هو تجريد تشرشل من منصبه كقائد للقوات البحرية. في العالم التالي ؟ الذي شهد اتفاقية سايكس بيكو التآمرية على العرب- تولى منصب وزير الإمدادات العسكرية في حكومة لويد جورج . وبنهاية الحرب أصبح وزير دولة لشؤون الحرب.
ثم غاب عن السياسة لهزيمته في انتخابات 1922، وانصرف الى هوايته المفضلة وهي الكتابة والرسم. وما أن اشتعلت الحرب الثانية، حتى عاد الى الأضواء لقيادة القوات البحرية ، ثم أختير في مايو 1940 رئيسا للحكومة ووزيرا للدفاع في نفس الوقت.
وجاء اختياره لتعزيز قوة بريطانيا التي بدت مترددة وضعيفة في عهد سلفه تشامبرلين الذي كان يعتقد أنه بالإمكان احتواء ألمانيا ، ولم يتخل عن محاولات استرضاء هتلر اجتنابا لشره الا عند الاحتلال النازي لمدينة براغ في مارس 1939. ولكن كانت مواقف تشامبرلين مترددة وقدم استقالته بعد احتلال ألمانيا للنرويج.
كان على تشرشل أن يحشد الأوروبيين ضد الألمان،وان يخفف أعباء الحرب عن بريطانيا. وكانت مهمته صعبة بعد أن خسرت بلاده العديد من عتادها اثر احتلال فرنسا. ومع ذلك أسرع إلى دعم المقاومة الفرنسية التي قادها الجنرال ديغول، ووثق صداقته بالرئيس الأميركي روزفلت التي أثمرت عن تزويد الأوروبيين بالسلاح أولا ثم في دخول الولايات المتحدة نفسها الحرب وتشكيل ما عرف بقوات الحلفاء.
والمثير أنه بعد الحرب مباشرة خسر الانتخابات عام 1945وأصبحَ زعيمَا للمعارضةِ ثم عاد إلى منصب رئيسَ الحكومة عام1951. والمثير أنه حصل وهو سياسي داهية على جائزة نوبل في الأدبِ عام 1953 للعديد من مؤلفاته في التأريخِ الإنجليزيِ والعالميِ، وتقاعد عام 1955في عيد ميلاده الثمانين، ليتولى رئاسة الحكومة تلميذه وزير الخارجية أنتوني إيدن.
لم ينقطع تشرشل عن ممارسة السياسة بل تابع حضور جلسات مجلس العموم حتى يوليو 1964، إلى أن وافته المنية في 24 يناير 1965. في عام 1937 ، كتب تشرشل مقالا لم ينشر ولم يكتشف إلا منذ سنوات قريبة عن اليهود، انتقد فيه ما وصفه بالتحفظ الذي يتسم به اليهود مما يعزلهم عن المجتمع الذي يعيشون فيه وحثهم على بذل مزيد من الجهد للاندماج في المجتمع. وحملهم مسؤولية عن المأساة التي حلت بهم، وعن العدائية التي عانوا منها داخل المجتمع الأوروبي أو غيره.
بسبب حرصهم على الظهور المتباهي وبذريعة أن اليهودي (مختلف) عن سواه من البشر وأنهم شعب الله المختار. وهاجم اليهود الذين كانوا يعملون في صناعة الملابس في بريطانيا بسبب استغلالهم للاجئين اليهود الهاربين من النظام النازي للعمل بأجور زهيدة.
ويقال إن سبب عدم نشر المقال في عصره ، هو تأثيره المحتمل على الرأي العام. فمقاله عن اليهود والنازية عام 1937 يختلف تماما عن عام 1940 حينما كانت بريطانيا تخوض حربا ضد الألمان. ولكن سير مارتن غلبرت الذي أرخ لتاريخ تشرشل ، زعم ان تشرشل لم يكتب المقال، وإنما كتبه مساعده آدم مارشال دستون الذي لم يلتزم بما أملاه عليه تشرشل في الكتابة مما دفع الأخير إلى عدم نشر المقال.
على أي الأحوال ، لايمكن إغفال حقيقة تاريخية أشار إليها الكاتب ريك فاونتي في شبكة بي بي سي، وهي أن تشرشل كان متعاطفا مع المسألة اليهودية في بداية القرن الماضي، كما كان مؤيدا لوعد بلفور عام 1917الذي تعهد بإقامة وطن لهم. كان تشرشل يعتز بنفسه ويقول: سوف يذكرني التاريخ بالخير طالما أنني سوف أكتبه بيدي!