بدأ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة واستمر، وتوقف، بمعرفة إدارة الرئيس المنصرف جورج بوش المسبقة، وبالتنسيق معها. وأكد ذلك تطابق موقف كل من تل أبيب وواشنطن، وتصريحاتهما بأن «الصواريخ» التي تطلقها حركة (حماس) من القطاع على أسرائيل هي السبب في اندلاع (العنف) وهو الوصف الذي أطلقه المسؤولون الأميركيون على القتال المروع، وغير المتكافئ والمجازر التي نفذتها إسرائيل ضد المدنيين الأبرياء في القطاع، إلى حد دفع بعض الخبراء الأميركيين المعنيين بالصراع إلى التساؤل عن إمكانية توصيف ما جرى بجرائم حرب وإبادة ارتكبتها إسرائيل، تستوجب محاكمتها.
كما تأكد تطابق موقفي تل أبيب وواشنطن في القول: إن إسرائيل تدافع عن مواطنيها، وفي القول: إن الهدف من العدوان هو وقف إطلاق الصواريخ، والقضاء على حماس، أو على الأقل، شل قدراتها وإمكانياتها «العسكرية» وعدم عودة الوضع في غزة إلى ما كان عليه قبل العدوان حيث تتمكن حماس من العودة إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل. بعد ثلاثة أسابيع من العدوان، لا إسرائيل انتصرت. ولا حماس انهزمت.
وعودة إطلاق الصواريخ ظلت قائمة. ايهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي قاد الحرب، وهدفه الانتخابات التي سيخوضها في العاشر من فبراير. قدر انه نجح في الحرب حتى الآن، وقرر عدم الاستمرار في العدوان وتم ايقافه، قبل يومين من تولي الرئيس الأميركي الجديد مقاليد الرئاسة، حتى لا تكون البداية معه صعبة.
وخطوة تمهيدية لما سيكون عليه نهج إدارة الرئيس أوباما في التعامل مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، مع معرفة جميع الأطراف المعنية بالصراع انه لن يكون هناك تغيير جذري، أو كبير على السياسة الأميركية المؤيدة، بل المنحازة لإسرائيل، وهذا ما اعترف به عدد من اليهود الأميركيين الذين كانوا مسؤولين عن ملف مفاوضات السلام بين العرب والإسرائيليين في عهد إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون إذ قالوا في مذكراتهم «لقد كنا محابين لإسرائيل في المفاوضات، لا محايدين»... وسيظلون.
إسرائيل لم تنجح في القضاء على حماس. وهذا لم يفاجئها. لكنها نجحت، كالمعتاد، في صرف التركيز عن جوهر الصراع، وهو الاحتلال والاستيطان. وجعلته محصوراً الآن في مكافحة تهريب السلاح إلى قطاع غزة .
الآن، كل الأنظار متجهة إلى الرئيس أوباما وإدارته، وكيف سيتعامل لحل الصراع الذي قال انه سيعطيه أولوية منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة. سيبدأ من حيث انتهت إدارة سلفه، الالتزام بتنفيذ ما نصت عليه الاتفاقية الأمنية، والعودة إلى مطالبة حماس بالاعتراف بإسرائيل، ونبذ الإرهاب، والاعتراف بالاتفاقيات السابقة مع السلطة. وبالطبع لا تحرك قدماً قبل إطلاق الجندي الأسير لدى حماس منذ سنوات! حتى يمكن إشراكها في أية مفاوضات سابقة.
وهو ما يعتقد مسؤولون في الإدارة الجديدة أنه لا يمكن عدم إشراك حماس في أية مفاوضات شاملة مقبلة. وهكذا من حلقة إلى أخرى في مسلسل المراوغة الإسرائيلي، لتجنب التوصل إلى سلام حقيقي شامل وعادل.
وهو أمر تعرفه كل إدارة أميركية، سابقة ولاحقة. ولم تحاول التصدي له بجدية، وهذا ما ستواجهه إدارة الرئيس أوباما، التي ستجد أن «وهم الدولة الفلسطينية حسب رؤية بوش قد دفن تحت أنقاض الدمار الذي خلفه العدوان على غزة».