الانقسام الذي ظهر على المستوى الرسمي العربي صعوداً وهبوطاً بشأن غزة لم تنج منه الشعوب، إذ عانت من المشكلة نفسها على كل المستويات سواء الدينية منه أو الثقافية الإعلامية. ففي الجانب الديني راحت بعض الفرق تزين أفعال وأخطاء الساسة وكأنهم من المصطفين الأخيار، ومن ذلك بيان أصدرته إحدى فرق الصوفية تمتدح فيه أحد الحكام، ووصفته بأنه (خبير من الرحمن).
وفي بلاد الحرمين الشريفين لم ينس عالم أن يصدر فتوى تحرم التظاهر من أجل غزة، معتبرا أن ذلك نوع من الإفساد في الأرض، على الرغم من أن دعوة أخرى صدرت عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين طالبت جميع العرب والمسلمين بجعل الجمعة الثانية للحرب (9 يناير) يوم غضب عام تضامنا مع غزة.
وفي الحالة الأولى قوبلت الفتوى بعدم اكتراث، بينما استجابت الجماهير لدعوة الاتحاد العالمي، وتحولت الجمعة بالفعل إلى يوم غضب شامل، مما شكل ضغطا على الساسة العرب وغيرهم للتحرك من أجل إنقاذ غزة. وفي الوقت الذي كان فيه الاتحاد العالمي على مستوى الواجب الديني والإنساني تجاه غزة.
فإن صوت مؤسسة الأزهر تاه في الأحداث، ولم يشعر أحد به، وهو ما حدا بعدد من العلماء الأجلاء إلى التحرك من خارج الإطار الرسمي ليحفظوا للأزهر مكانته وتاريخه. وبذلك خرج الاتحاد العالمي من هذه الأزمة سندا قويا للأمة وقت الشدة، على خلاف مؤسسة الأزهر التي ركبت المنحنى الهابط.
وهنا أيضا لم يكن الفن بعيدا عن هذه الحالة العربية، حيث فوجئ الناس بالزعيم عادل أمام يحمل حماس المسؤولية عن الحرب، ويسخر من المظاهرات العالمية التي انطلقت للتضامن مع غزة، وهو ما لم يكن متوقعا من فنان بوزنه وتاريخه. وقد جوبه موقف إمام بانتقادات عنيفة من فنانين وكتاب مصريين وعرب، بل ان بعضهم استنكر بشدة أن تكون هذه التصريحات قد صدرت عنه متسائلا عن سر عدم إدانته للعدوان الإسرائيلي وتسرعه في إدانة المقاومة الفلسطينية.
وفيما بعد نفى الزعيم كل ما نسب إليه متهما الصحافة بعدم الدقة في نقل تصريحاته. وجاء نفي إمام بعدما تلقى تهديدات من تنظيم القاعدة في الجزائر، والتهديدات أمر مرفوض بكل المقاييس، ولكن أين كان الصواب في موقف الزعيم؟ هل كان في موقفه الأول أم في الثاني؟
وعلى المنوال نفسه شهدت الأروقة البرلمانية العربية انقسامات مشابهة، فمثلا اضطر الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب المصري إلى الانسحاب من اجتماعات الدورة غير العادية للاتحاد البرلماني العربي احتجاجا على ما وصفه بالغمز واللمز على مصر.
وفي الكويت دعا 21 برلمانيا إلى منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور القمة الاقتصادية، ومن قبلهم رفع نائب منهم الحذاء في مواجهة عباس، بينما رفع القبعة لإسماعيل هنية. ووسط ذلك كله كانت الحرب الإعلامية العربية على أشدها بين قناتي العربية والجزيرة الفضائيتين كل بحسب موقع دولته من الحرب، صعودا وهبوطا وفق ما تقتضيه التطورات.
هذه الحالة العربية كانت صادمة، لكنها مرشحة كي تستمر معنا طويلا، فالعرب مقبلون على ما هو أسوأ، طالما لم يحسموا بعد موقفهم من القضايا التي تفرق صفوفهم وفي مقدمتها العلاقات مع إسرائيل والموقف من حركات المقاومة العربية.