تميّزت دبلوماسية الرئيس الفرنسي، ساركوزي، بطابعها الاقتحامي. وبالتحديد في الشرق الأوسط. منذ مجيئه، قفز مباشرة إلى مسرح أحداثه الملتهبة. قام بعدة زيارات إلى المنطقة، في فترة وجيزة. طرح مبادرات ومشاريع إقليمية.
دخل على خط أكثر من أزمة، كوسيط. اعتمد دبلوماسية الجولات المكوكية، بين العواصم المعنية في المنطقة. كان واضحاً من البداية، انه يعتزم تجديد الحضور الفرنسي في الشرق الأوسط؛ وبناء دور ما لبلاده؛ في التعامل مع أزمات هذا الأخير وملفاته المفتوحة. لكن حركته الملفتة بنشاطها، إذ ضمنت الحضور الملحوظ لباريس؛ إلاّ أنها لم تقو بعد على حجز مقعد لها، كلاعب من بين اللاعبين المؤثرين القادرين على التحكم بالقرار والأحداث؛ في هذا الجزء المضطرب من العالم.
تجلّت هذه المعادلة، في أكثر من محطة. البداية كانت في أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان، التي امتدّت بين أواخر 2007 وربيع 2008. يومذاك، تولت فرنسا ساركوزي مهمة جمع اللبنانيين حول مرشح رئاسي توافقي. حضر وزير خارجيتها، كوشنير، إلى بيروت. دخل في لعبة الأسماء وحصر الخيارات، القائمة على مراعاة التوازنات والحساسيات. غرق، أو أغرق، فيها.وقع في أحابيل السياسية اللبنانية وزواريبها الطائفية. ناهيك بروافدها الخارجية الملغومة. فشل فشلاً ذريعاً. كانت نكسة محرجة للدبلوماسية الفرنسية.
ثم كان مشروع الرئيس ساركوزي، «الاتحاد من أجل المتوسط». الفكرة، كما جرى الترويج لها؛ أن الكيان الجديد يرمي إلى تعزيز التعاون وتمتين العلاقات بين دول الحوض؛ وبما يساهم في مواجهة التحديات والقضايا المشتركة،التي تهمها. لكن رائحة نوايا التطبيع بين إسرائيل والبلدان العربية المتوسطية؛ كانت تفوح من المشروع.
تعثّر إقلاعه، بسبب هذه النوايا، من جهة؛ ومن جهة أخرى بسبب اعتراض إسرائيل، التي لا تطيق التعامل مع العرب كفريق، على إعطاء الجامعة العربية حق حضور اجتماعات معينة للاتحاد. لم تتراجع إلاّ بعد أن رضخ ساركوزي لابتزازها ومنحها، بالمقابل، موقعاً ممتازاً في الهيئة العليا للاتحاد. لهذا وغيره، كانت انطلاقة التكتل الجديد، باهتة. ثم مرة أخرى، عادت الدبلوماسية الفرنسية إلى لبنان، من بوابة السعي لإعادة العلاقات اللبنانية السورية، إلى السكّة السوّية. تولّى الرئيس ساركوزي، الملف شخصياً.
كان لدوره الأثر المباشر في توافق دمشق وبيروت على تبادل السفراء والاعتراف الدبلوماسي بينهما؛ قبل نهاية 2008. مضى العام من دون أن تتحقق بالكامل هذه الخطوة، الأولى من نوعها منذ استقلال البلدين في أربعينات القرن الماضي. فقط تمّ افتتاح مكاتب السفارتين، لكن من غير وجود سفيرين في العاصمتين. مرة أخرى، بقي الانجاز الفرنسي، منقوصاً. وأخيراً في العدوان الإسرايلي الدموي المتواصل على غزة، عاد الرئيس ساركوزي ليدخل أيضاً على خط الوساطة.
جاءت زيارته إلى العواصم المعنية، تحت عنوان يؤكد فيه على أهمية وقف إطلاق النار «بأقصى سرعة ممكنة وإحلال هدنة إنسانية». مثل هذا الوقف مطلب آني ملحّ. لكن عندما تخلو هكذا دعوة ولو من تأنيب خجول، حتى لا نقول إدانة، لإسرائيل المرتكبة جريمة إنسانية؛ عندئذ تكون المبادرة محاطة بعلامات استفهام وكثير من الارتياب. خاصة وأن الرئيس خاطب إسرائيل كأمة كبيرة، ينبغي لها أن تدرك استحالة ترك الوضع الإنساني الكارثي على حاله.
هي ترتكب الفواحش ضدّ الإنسان الفلسطيني؛ وهو يناديها بالأمة العظيمة! لغة بهذه الرخاوة، بل بهذا الودّ، لا تؤهل صاحبها أن يلعب الدور التاريخي القيادي، الذي يزعم اقتحام ساحته. فهي تبطّن موقفاً أقرب إلى التضامن، المغطّى بقشرة دبلوماسية. هنا تكمن العلّة في سياسة ساركوزي ودوره. ليس في هذه الأزمة فقط، بل في كافة الملفات التي دخل على خطّها. في كل تحركاته، كانت مصلحة إسرائيل هي المحور.
من البداية وضع نفسه وبلاده في موقع الحامي والضامن لإسرائيل. «أمنها خطّ أحمر»، كما قال أكثر من مرة. التصاقه بها كما بواشنطن، منذ مجيئه؛ وضع دبلوماسيته في دائرة التعثر، بأحسن أحوالها. براعة ساركوزي في الأداء، لا تضمن له سلاسة المرور في تضاريس الملفات الشائكة في المنطقة، طالما بقي يلعب دور المحامي الشاطر، لصالح إسرائيل.