لم يكن ممكنا لإسرائيل أن تشن حربها الشاملة ضد قطاع غزة لولا الخلافات العربية العربية، تلك الخلافات التي وصلت إلى حد الحرب الأهلية. ومثلما دفع لبنان في وقت سابق ثمن هذه الاحترابات في صيف عام 2006 فان قطاع غزة يدفع الثمن بدوره منذأسبوعين.
الحرب في ظاهرها تجري بين إسرائيل وحركة حماس، لكنها في الجوهر هي حرب عربية - عربية بين نهج المقاومة ونهج المساومة، بين الراغبين في التطبيع مع إسرائيل وبين الرافضين له. وبالتحديد بين المعسكر العربي المسمى الممانعة والمعسكر العربي الآخر المسمى الاعتدال. أما إسرائيل فهي المطرقة التي تضرب أينما يحترب العرب، من أجل توظيف أجواء الاحتراب في تحقيق أهدافها الإستراتيجية.
قبل الحرب مباشرة تعرضت القضية الفلسطينية لأجواء استقطاب عربية حادة، كل من المعسكرين يحاول أن يفرض رؤيته على الساحة الفلسطينية من خلال امتداداته الفصائلية. فهناك معسكر يرى السلطة الفلسطينية وحركة فتح الأقرب اليه، والى منهجه والأكثر تعبيرا عن الشعب الفلسطيني، بينما يرى معسكر آخر أن حركات المقاومة وحماس تحديدا الأقرب اليه، وخير معبر عن الطموحات الوطنية الفلسطينية.. وبين المعسكرين تتوزع بقية الفصائل الفلسطينية.
هذه الرؤية ذاتها هي ما حكمت- ولا تزال تحكم- العلاقة بين المعسكرين العربيين في لبنان أيضا، ففيما يرى معسكر الممانعة في حزب الله النهج الحقيقي للشعب اللبناني ، فان المعسكر الآخر يقف - ولايزال- في جانب المناوئين للحزب والمقاومة، ويرى أنهم المعبر عن اللبنانيين، ومن هذه الساحة العربية الممهدة شنت اسرائيل حربها على لبنان في صيف 2006.
هذا الانقسام يحكم المشهد العربي في كافة القضايا ذات العلاقة بالولايات المتحدة واسرائيل. فالخلافات وصلت حد العداوات، وصارت تسيطر على المنطقة، وتحرك السياسات بين المعسكرين، وهو مايعني أن كل النقاط العربية الرخوة مرشحة لأزمات أخرى بفعل هذه الاحترابات. فلكل من المعسكرين العربيين امتداداته الاقليمية والدولية وأحدهما يستقوي بالتحالف مع واشنطن ضد الآخر.
ان خطورة هذه الحرب أنها الثالثة (بعد العراق ولبنان) التي تشن انطلاقا من الرؤية الأميركية الاسرائيلية المشتركة للارهاب، وهى الرؤية ذاتها التي يتحرك وفقا لها كثير من العرب، مايعطي لواشنطن وتل أبيب مدخلا مستقرا وجاهزا للعدوان ضد أي دولة عربية أو اسلامية في المستقبل، ولذا فليس هناك من بديل إلا انتصار المقاومة الفلسطينة في غزة، مثلما انتصرت المقاومة اللبنانية من قبل، ونجحت في هزيمة المخططات الأميركية الصهيونية، وعطلت أهدافهما على أراضيها وفي المنطقة العربية كلها.
الوضع في غزة يبدو صعبا وسط التخاذل والتواطؤ العربي والدولي. وهذا يجعل وضع المقاومة أصعب، ويجعل النتائج المترتبة على هذه الحرب أهم فلسطينيا وعربيا، اذا ماقارناها بكثير من الحروب الاسرائيلية السابقة ضد العرب، سواء على صعيد شرعنة المفهوم الأميركي للارهاب أو على صعيد تمرير المشروع الشرق أوسطي الأميركي الصهيوني.
و اذا تمخضت الحرب- ان شاء الله- عن انتصار المقاومة الفلسطينية، وهو التصور الأقرب الى نفوسنا، والى الوعد الالهي لعباده المؤمنين الصادقين، فهذا يعني حصول العرب على فرصة تاريخية للتفلت من الهيمنة الأميركية، وانزال هزيمة ساحقة ماحقة بمخططاتها الاستعمارية، والابحار باتجاه العودة الى اصلاح الخلافات البينية، والخروج من حالة الفرقة والانقسام الى التصالح والوئام.
ومن هنا تكمن قيمة تحقق هذا الانتصار، ليس فقط لأن فيه تقزيما للدور الاميركي الاسرائيلي، وانما لانه يعني ايضا اعلاء الشأن العربي في المنطقة والعالم . أما اذا حدث العكس لاقدر الله فان العالم العربي سيعاني مزيدا من الانقسامات والانكسارات والاحترابات البينية، مع انفلات مطلق للعربدة الاسرائيلية الاميركية. لكن المشكلة الكبرى أن كلا المعسكرين العربيين مصمم على سحق واقصاء الآخر من الخريطة، وهو مايقودنا الى مزيد من سفك الدماء، في حروب عربية عربية تتسم بالعبثية التي لافائدة منها إلا لأميركا واسرائيل.