أنتوني إيدن.. اسم ارتبط ارتباطا وثيقا بحرب السويس. بل انه المخطط الرئيسي للعدوان على مصر في عام 1956. كان رئيسا للحكومة البريطانية خلال أزمة السويس. وقتها عالج الأزمة بحماقة اذ ظل متوهما أنه يحكم امبراطورية لم تغب عنها الشمس، مع أنها كانت في ظل حكمه في حالة أفول وزوال بعد ان انقلبت الموازين في اعقاب الحرب العالمية الثانية وصار العالم يمضي بين فلكين أحدهما أميركي، والآخر سوفيتي.
وربما يكون قد تحرر من هذا الوهم عندما أعلن عن استقالته في مثل هذا اليوم من عام 1957 بعد أن سقطت بريطانيا في مستنقع السويس. ولم تبالغ صحيفة التايمز البريطانية حين قالت يوم وفاته في 14 يونيو 1977( عن 80 عاما)، إنه كان آخر رئيس وزراء في داننغ ستريت يظن ان بريطانيا مازالت امبراطورية عظمى وكان أول رئيس حكومة بريطاني يواجه أزمة أثبتت خطأ هذا الاعتقاد. ومن جانبه قال المؤرخ كوريلي بارينت صاحب كتاب « سقوط الامبراطورية البريطانية»: لقد كانت عملية السويس التي ارتكبها إيدن وأصر عليها، حماقة كبرى.. نفذها كعملية امبريالية تحت ذريعة حماية مصالح بريطانيا البعيدة».
ويقول الكاتب البريطاني بول رينولدز في تحليل له على شبكة «بي بي سي » إنه رغم وجود أسطول بريطاني قوي شرق السويس خلال أزمة 56، الا ان نهاية الامبراطورية البريطانية كانت وشيكة.. كانت قد فقدت درة التاج البريطاني قبل تسع سنوات من أزمة السويس. كما فقدت أجزاء من بنيانها في أفريقيا وتفكك الكثير منها في اعقاب حرب السويس وبالتحديد غانا ونيجيريا وقبرص والملايو.
مشكلة إيدن يفسرها الكاتب رينولدز قائلا، إن إيدن الذي نال ثقافته السياسية في ثلاثينات القرن العشرين وهو في ريعان الشباب، كان يعارض سياسة «الحفاظ على المصالح بالتودد السياسي». ولذلك اصطدم وهو وزير خارجية عام 1938 برئيس حكومته نيفيل تشامبرلين الذي كان يتمسك في سياسة حكومته بالحرص على السلام. وترجم ذلك على أرض الواقع بالعمل على الغاء العقوبات التي فرضتها عصبة الأمم ضد إيطاليا بعد غزو الحبشة، وإعلان حياد بلاده في الحرب الأسبانية الأهلية والسكوت على ضم النمسا لألمانيا وعقد اتفاقية ميونيخ مع ألمانيا النازية عام 1938.
ولم يكن أمام إيدن الذي تربى على فكر استعماري ويكره موسوليني سوى الاستقالة بعد أن أعلن تشامبرلين التفاوض مع ديكتاتور ايطاليا ( رئيس الوزراء الذي أتى بعد تشامبرلين هو السياسي الأسطوري ونستون تشرشل الذي ضم إيدن للحكومة واختاره وزير حرب ثم وزيرا للخارجية عام 1940) ويمكن القول إن تفجير أزمة السويس عسكريا، يرتبط بالفكر السياسي العقيم لإيدن. ويقول رينولدز إنه عندما وصل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الى السلطة عام 1954، لم يفهم إيدن ان العالم قد تغير من حوله.
تعامل مع ناصر وكأنه يريد أن يطبق عليه مالم يفعله تشامبرلين موسيليني. اذ ظن إن الرئيس المصري ماهو الا موسوليني آخر. ويضيف رينولدز في تحليله على شبكة «بي بي سي» أن إيدن لم يرض أن تسيطر مصر على قناة السويس، مع أنه ارتضى بخروج القوات البريطانية من منطقة القناة التي اكتسبت وقتها أهمية جديدة كممر للبترول الى أوروبا. كان إيدن مصرا على رفض قرار ناصر بتأميم شركة قناة السويس الذي كان ضربة معلم رد بها الزعيم الخالد على رفض الغرب تمويل مشروع السد العالي. وكشفت وثائق بريطانية حكومية عن أن قادة بريطانيا العسكريين خططوا سرا لقطع تدفق مياه نهر النيل خلال المواجهة مع جمال عبد الناصر.
وقالت شبكة بي بي سي التي أشارت الى المخطط، ان القادة اعتقدوا أن بوسعهم استخدام أحد السدود في أوغندا لخفض منسوب مياه نهر النيل وبالتالي جعله يسيل بشكل شحيح مما يضر بشكل كبير بالزراعة والاقتصاد في مصر. وتم عرض المخطط على إيدن قبل ستة أسابيع فقط من غزو فرنسا وبريطانيا للقناة في نوفمبر 1956 في أعقاب تأميم عبد الناصر لها. وحسب الخطة كان من المفترض قطع تدفق مياه النيل بنسبة سبعة أثمان باستخدام سد شلالات أوين في أوغندا. وتشير الوثائق الى أن نتائج هذا المخطط لايمكن أن تتحقق قبل مرور 16 شهرا، وأن تنفيذه قد يلحق أضرارا كبيرة بدول صديقة لبريطانيا وفرنسا مثل كينيا وأوغندا.
وعن الحرب، تكشف الوثائق أن رئيس الوزراء البريطاني إيدن لم يستشر كبار معاونيه القانونيين بشأن شن الحرب على مصر. اذ كانوا على يقين بأن غزو منطقة القناة سيكون عملا غير قانوني. وتظهر الوثائق أنه رغم معارضة الرئيس الأميركي آنذاك دوايت ايزنهاور لشن الحرب على مصر.
إلا أن الاستخبارات البريطانية «إم آي 6» ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إي» كانتا تتعاونان معا لتنفيذ خطة لإسقاط حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. سقط إيدن بسبب حرب السويس التي لم يستشر فيها ايزنهاور، وجاء من بعده هارولد ماكميلان الذي قرر ، كما تشير بي بي سي، ألا تخالف بريطانيا الولايات المتحدة، وهو مايحدث حتى الآن.
حسن صابر