هل تساءل المرفهون من أبناء هذه الأمة كيف يعيش أهالي غزة وقد انقطعت عنهم سبل الحياة بفعل القتلة والسفاحين؟ غزة.. الأرض التي لا تضيق بكل من لجأ إليها منذ أن نزح إليها لاجئو حرب 48. شريط ضيق يضم 44 تجمعاً سكانياً.. سكانها ال5.1 ملايين بطل .. محاصرون على مدى 20 شهراً. الحصار بقسوته وبشاعته، زادهم صموداً وصبراً وقوة.
عاشوا منذ صيف 2007 وسط معاناة من حصار قطع عنهم الزاد وحرمهم من الحصول على لقمة العيش. باتوا سجناء.. أغلقت عليهم المعابر والمنافذ، فصارت غزة بمدنها ومخيماتها وأحيائها أكبر سجن في عالمنا المعاصر، أحكم المحتلون غلقه. وانتظروا أن يسقط كل من يقاوم المحتل قتيلاً أو مستسلماً. ولكن أبطال القطاع.. تماسكوا ولم تهن قوتهم ولا عزيمتهم رغم أن 80% منهم يعتمدون على الغذاء والطعام من خارج حدود الوطن.
ثم جاء العدوان بأقوى طائراته ومقاتلاته ومروحياته.. يصب نيران صواريخه على الأبطال السجناء، يصوب قذائفه القاتلة على الأطفال بما فيهم الرضع ، ويسقط الملائكة الصغار شهداء. والعالم ساكن يسمع ويرى ولايتكلم سوى بما ينطق به القتلة ومجرمو الحرب.
ثم زحفت مدرعات السفاحين ومصفحاتهم.. تنشر القتل والدمار والخراب في ربوع غزة. في جباليا رمز الصمود على مدى عقود .. ذلك المخيم الذي لمس فيه الزائر قبل العدوان الاجرامي الأخير شتى صنوف المعاناة الفلسطينية، والذي صار الآن كتلاً من الركام والانقاض على رؤوس سكانه الأبطال الشهداء.
القتل من أجل القتل ، لغة عدو لاً يجد شهيته ومتعته ولذته سوى في سفك دماء الفلسطينيين. وكأن أحفاد القتلة الأولين أمثال مناحم بيجن واسحق شامير واريل شارون لم يرضهم أن تجف الأرض الفلسطينية المغتصبة من دماء أبنائها. فأكملوا ما فعله رواد القتل والاجرام في دير ياسين وكفر قاسم، وتفوقوا على أجدادهم السفاحين في ارتكاب كل أشكال جرائم الحرب داخل التجمعات السكانية في قطاع غزة.
أسبوعان من القتل في غزة، والأرض لم تهتز من تحت أقدام أبناء القطاع. سقط قرابة ال600 شهيد في مختلف المناطق. ومن بين الشهداء البطل نزار ريان أحد قادة المقاومة، استشهد و14 من أفراد عائلته في غارة وحشية استهدفت منزله في مخيم جباليا في شمال القطاع. حولت الصواريخ التي ألقاها القتلة إلى كومة من الحجارة اختلطت بدماء الشهداء وأشلائهم.
الشهيد ريان كان من الأشداء على الاحتلال ، و في طليعة المقاومين، لم يستمع إلى نصائح رفاقه المناضلين بإخلاء منزله خلال القصف الجوي الإسرائيلي الإجرامي .. وتمسك بالبقاء بجانب أطفاله. فهو صاحب فكرة عدم إخلاء المنازل عندما تهدد إسرائيل بقصفها. بل شارك في حشد أنصاره لحماية المنازل بأجسادهم للحيلولة دون قصفها، في أكثر من مناسبة يحمل سلاحه برفقة المناضلين من أبناء غزة، يحث بني وطنه على الجهاد والصمود وسط الحصار، يقدم لهم الماء والطعام خلال كل عدوان عليهم.
قد يقول قائل: ألا عمل لهذا البطل الذي سقط في ساحة الجهاد ( وكل غزة ساحة للجهاد)؟ كان الشهيد أستاذاً للحديث النبوي الشريف بقسم الحديث الشريف في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة ، عمل إماماً وخطيباً متطوعاً في مساجد غزة ونشأ في أحضان الدعوة الإسلامية في أرض فلسطين الغالية. اعتقل مراتٍ ومرات.. ولم يلقَ سلاح المقاومة. استشهاد البطل ريان زاد من صلابة المقاومة.
غزة الآن.. شحيح فيها الخبز والغذاء والمياه وبلا كهرباء أو قود.. بلا إغاثة تكفي للمحتاجين.. بلا بنية صحية في المستشفيات التي تحولت ملاءات أسرتها الى أكفان للشهداء، غزة.. بلا سبل للحياة. ولكن أهلها أشداء .. يحرصون على الموت بصمود وشجاعة حتى يكتب للوطن المغتصب الحياة.
حسن صابر