ليس غريباً أن تجد في الإمارات شوارع كاملة تسمى بـ «شارع البنوك»، وما أن تمر فيها تجدها مليئة بأسماء مختلفة منها الوطنية والأجنبية والعربية والإسلامية، الأمر الذي يبين حجم النشاط المصرفي في الدولة، والسؤال هنا متى بدأ النشاط المصرفي في الإمارات؟
يحدثنا عن ذلك نجيب عبد الله الشامسي، مدير البحوث والدراسات في الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، فيقول: «منذ القدم وسكان الامارات يحترفون التجارة، وتمكنوا رغم حالة الضيق التي مروا فيها قبل الاكتشافات النفطية أن يكيفوا أنفسهم مع ما تفرضه البيئة، واستطاعوا ان يجعلوا أسواقهم في الصدارة لأهميتها التجارية، خاصة وأن بعضها يقع على طريق الحرير، مثل سوق دبا ثم سوق رأس الخيمة، وهي من أهم الأسواق التجارية التي شهدت رواجاً تجارياً كبيراً في القرن التاسع عشر، ولا يمكن أن نغفل نشاط الشارقة في هذا المضمار والذي ما لبث أن تحول تدريجيا إلى سوق دبي منذ عام 1902 بعد تدهور ميناء لنجة في إيران.
هذا النشاط مثل مقدمة مهمة لنشوء القطاع المصرفي في الدولة والذي يعود إلى العام 1946، حيث شهد افتتاح أول فرع للبنك البريطاني للشرق الأوسط الذي اتخذ من دبي مقراً له، ومع افتتاحه بدأ السكان في استخدام خدماته المصرفيه، واختيار البنك لدبي كان لثقلها التجاري في المنطقة لا سيما في تجارة الترانزيت، وسياساتها التشجيعية للتجار الأجانب. وتمكن البنك البريطاني منذ افتتاحه من احتكار النشاط المصرفي في دبي حتى عام 1963، الأمر الذي أكسبه دوراً فاعلاً في تنمية نشاط دبي التجاري، ودعمه في ذلك القانون الخاص بالعملات الأجنبية والصادر عن حكومة الهند عام 1947، والذي فرض على تجار الخليج دفع قيمة البضائع التي يستوردونها من الهند في بنوك يسمح لها ببيع العملات الأجنبية للهند.
كما استطاع البنك أن يستفيد من الإتفاق الذي أبرمه مع حكومة دبي والذي تم بموجبه تمديد احتكار البنك لإمارة دبي لمدة ثمانية أعوام بحيث تنتهي في 1974، مقابل قيامه بدفع نسبة 20% من أرباحه للحكومة. لم يتوقف البنك البريطاني عند حدود دبي إنما تجاوزها إلى الشارقة لقربها من دبي، وافتتح فيها فرعه الثاني عام 1953 واستمر احتكاره لها حتى عام 1957، حيث افتتح البنك الشرقي فرعا له في الشارقة علماً بأنه لم يكن سوى جزء من فرع. ومن ثم انتقل إلى أبو ظبي ليفتتح فرعه الأول فيها عام 1958، واستمر احتكاره لها حتى بداية الستينيات.
حيث قام كل من البنك الشرقي الذي تولى في العام 1966 إصدار النقد للبنوك العاملة في أبوظبي نيابة عن مجلس نقد البحرين، بعد قيام أبوظبي باعتماد الدينار البحريني كعملة رسمية لها بدلا من الروبية الهندية الخليجية، ولكنه ما لبث أن أدمج مع «تشارترد بنك»، والبنك العثماني الذي أدمج فيما بعد مع «جريندليز بنك» بافتتاح فروع لهم فيها، وهنا لابد أن نذكر بأن فرع البنك البريطاني في أبوظبي قد سجل خسائر خلال الفترة من 1959 : 1965، وما لبث أن ارتد بنجاح لأول مرة عام 1966. ومع بداية الستينيات قام البنك البريطاني بافتتاح فرعه الثالث له في دبي، لتتوالى بعدها فروع البنوك الآسيوية والأوروبية في الدولة.
البنوك الوطنية
لقد مثل إنشاء البنوك الوطنية بداية مرحلة جديدة في تاريخ القطاع المصرفي بالدولة، وقد دشنت هذه المرحلة بقرار إنشاء أول مصرف وطني والذي اتخذته مجموعة من تجار دبي عام 1962، الأمر الذي شكل صدمة لإدارة البنك البريطاني في الإمارات، التي لم تستطع منع ذلك بسبب الظروف السياسية ورغبتها بالمحافظة على علاقات جيدة مع حاكم الإمارة.
ويعتبر بنك دبي الوطني المحدود أول بنك وطني يتم تأسيسه في الدولة، حيث بدأ نشاطه في دبي يوم التسع من مايوعام1963، برأسمال وطني وأجنبي مشترك مدفوع بالكامل وقدره 000. 500. 13 روبية، شارك فيه إلى جانب تجار دبي كل من حكومة دبي، وبنك الكويت الوطني عام 1963، وبنك «كرندليز» عام 1966، وكذلك بنك «أوف أميركا» عام 1967، وساهم دخول هذه البنوك في توسيع نشاطات البنك الدولية.
تم تأسيس البنك بناءً على المرسوم الأميري الذي أصدره المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، لمجموعة من تجار دبي البارزين، ومؤسسو البنك هم سلطان علي العويس، الذي تولى منصب رئاسة مجلس الإدارة من بداية تأسيسه عام 1963، وناصر عبد اللطيف السركال الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة الذي ضمت عضويته محمد سعيد الملا، ومير هاشم خوري، ويوسف حبيب اليوسف، ومحمد مهدي التاجر.
واستطاع البنك تحقيق أرباح متواضعة بحسب تقريره الصادر في 30 نوفمبر عام1964، حيث بلغت نحو 111 ألف روبية، كما بلغت قيمة الأصول الإجمالية في العام نفسه نحو 39 مليون روبية. وإلى جانب فرعه الأول بمنطقة العبرة في دبي، عمل البنك على تأسيس فروع جديدة له امتدت إلى أبوظبي وكانت في يونيو 1968، ثم في أم القيوين في مارس 1969، وفي عام 1971 بدأ البنك بتقديم خدماته المصرفية المتواصلة على مدار الساعة للمسافرين من مطار دبي الدولي.
وبعد اعتماد ريال قطر ودبي كعملة رسمية في دبي والإمارات الشمالية عام 1966، تم تكليف بنك دبي الوطني بالقيام بمهمة الوكيل نيابة عن مجلس النقد لقطر ودبي، وبقي كذلك حتى تأسيس أول سلطة للنقد في الإمارات عام 1973 التي كانت أولى مهامها إصدار الدرهم الإماراتي، حينها تولى بنك دبي الوطني مهمة الإشراف والمراقبة نيابة عن مجلس النقد بالنسبة للإمارات الشمالية.
تجربة أبوظبي
أما بالنسبة لإمارة أبوظبي، فقد شهدت الحركة المصرفية فيها نشاطاً وتطورا ملحوظا مع اكتشاف النفط فيها بكميات تجارية، وتصدير أول شحنة نفط إلى الخارج، والتي أدت إلى نشاط في حركة العمران، خاصة مع تولي المغفور له الشيخ زايد آل نهيان لمقاليد الحكم في الإمارة عام 1966، حيث أبدى اهتماما بحركة البناء والتشييد، ما أدى إلى ارتفاع عدد المصارف الموجودة في الإمارة من ثلاثة في العام 1963 إلى 15 مصرفاً عام 1972، إضافة إلى تسعة فروع في العين وحدها.
في العام 1968 التفت المغفور له الشيخ زايد آل نهيان إلى ضرورة تأسيس مصرف وطني، فأصدر (رحمه الله) مرسوما أميريا يقضي بتأسيس بنك أبوظبي الوطني برأسمال وطني بنسبة 85% والبقية لشركاء عرب وأجانب، وضم أول مجلس ادارة له خليفة بن يوسف رئيسا، وأحمد بن خليفة السويدي ممثلاً لحكومة أبوظبي، وضم المجلس أيضا أحمد بن محمد المسعود، وعبد الجليل محمد عبد الجليل، وخلف العتيبة، وهامل بن خادم الغيث، ومحمد علي شلبي مديرا تنفيذيا.
وباشر البنك تقديم خدماته رسمياً في 23/12/1968، وفي نهاية السنة المالية (31/12/1969) بلغت إجمالي أصوله 6. 120 مليون درهم، وإجمالي الودائع حوالي 193 مليون درهم، وبلغ إجمالي الدخل عن السنة ذاتها (1969) 3. 6 ملايين درهم، أما صافي الأرباح فقد وصل إلى 2 مليون درهم، واستطاع البنك خلال سنوات قليله أن يحقق انتشارا واسعا ليس في الإمارات فقط إنما في العالم.
غسان خروب