تكاد تفاصيل الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة تتطابق تماما مع تفاصيل الحرب التي شنتها من قبل على لبنان في صيف عام 2006 من حيث الأهداف المعلنة والمسار الذي تتخذه، وكذلك ردود الأفعال والمواقف العربية والدولية، إن الحرب في غزة هي حرب مستنسخة طبق الأصل عن حرب لبنان.
في إسرائيل أعلن المسؤولون أن هدف الحرب اقتلاع حركة حماس، وفي حرب لبنان كان الهدف اقتلاع حزب الله، ولكن انتهت الحرب وبقي حزب الله الذي خرج من الحرب بأقوى مما كان، وكذلك ستكون حركة حماس.
في حرب لبنان لم تجد الطائرات الإسرائيلية أهدافا عسكرية تقصفها فقصفت المدنيين والبنى التحتية اللبنانية، وكان أكثر الشهداء من المدنيين وفي غزة يتكرر الأمر ذاته ، حيث لا أهداف عسكرية ، وإنما مساجد ومستشفيات وجامعات، وبيوت وشهداء مدنيون.
المواقف العربية والغربية تكاد تكون هي بلا تغيير، فالعرب في الحرب على لبنان كانوا معسكرين منقسمين ومنفصلين، أحدهما يسمي نفسه دول الاعتدال ويؤيد إسرائيل، والثاني يسمي نفسه دول الممانعة ويؤيد المقاومة اللبنانية، الآن لا يزال ذات التقسيم قائما وموجودا، بل إن بعض دول الاعتدال تلعب هذه المرة في الملعب الإسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية، ومثلما عجز العرب عن عقد قمتهم في الأولى فإنهم اليوم عاجزون عن عقد القمة هذه المرة.
وفيما يتعلق بالموقف الدولي فان السياسة الأميركية والأوروبية لم تغادر موقعها في الحربين، من تأييد لإسرائيل وتحميل المقاومتين اللبنانية والفلسطينية مسؤولية الحرب. والهدف واحد من جانب أميركا وأوروبا، وهو تنفيذ المشروع الشرق أوسطي الذي تقود فيه إسرائيل المنطقة العربية. قالتها آنذاك صراحة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، ولكنها اليوم التزمت الصمت الذي هو من علامات الرضا تجاه ما يجري. حتى الأمم المتحدة لم تغير موقفها، فمجلس الأمن هادئ هدوء الموتى.
الأمر كله مؤامرة ضد المقاومة، وأنا من عتاة المؤمنين بان نظرية المؤامرة هي المحرك الأول للعلاقات الدولية، فالمصالح القائمة على الصراع تحتم التآمر على كل المستويات سواء كانت عربية أو دولية، وإلا كيف نفسر ما نراه اليوم في غزة، وما سبق ورأيناه في لبنان، وفي العراق، وما سوف نراه غدا في السودان وغيره.
وهذا شأن العالم منذ أن تآمر قابيل لقتل أخيه هابيل، ومنذ أن تآمر الفرعون على موسى وهارون عليهما السلام. فسلام على غزة، وسلام على كل مقاتل ومقاوم مازال يؤمن بالعزة وبالكرامة العربية الإسلامية، ويرفض الذل والخنوع والخضوع تحت الحذاء الأميركي الصهيوني. وفي ذلك يستوي جورج دبليو بوش مع ايهود باراك أو باراك أوباما، مثلما تتساوى كوندوليزا رايس مع تسيبي ليفني وهيلاري كلينتون...كلهم لا فارق بينهم إلا في السحنة وفي اللون.
ولهذا فمن العبث التفاؤل بإمكانية حدوث تغيير جوهري في سياسات إدارة أوباما تجاه المنطقة. وحتى لو أراد العمل من أجل التغيير هذا الواقع البائس فانه لن ينجح، لأنه سيجد أمامه دولا عربية متصارعة في احترابات أهلية عربية. إن ما يجري في غزة، وما جرى من قبل في لبنان، يثبت مجددا أن العيب في العرب قبل غيرهم، سواء كان هذا الغير في واشنطن أو تل أبيب.
لقد طغت الصراعات العربية على علاقات الأخوة و المصير المشترك. وإذا كان العرب قد فشلوا - حتى الآن- في عقد قمة لإنقاذ غزة، فمن المشكوك فيه أن يحققوا شيئا في أي قمة أخرى، وينطبق ذلك على القمة الاقتصادية المقرر عقدها خلال النصف الثاني من هذا الشهر.هذا هو الواقع العربي الذي نعيشه، والذي لا يبشر بأي خير لأي عربي على أي صعيد.
وليس هذا من قبيل التشاؤم بل من واقع قراءة ما يجري وما سيجري. فالعرب مقبلون بأيديهم على حقبة صعبة وقاسية قادنا إليها الارتماء السياسي والاقتصادي والعسكري تحت حذاء السيد الأميركي. فاستمتعوا الآن أيها العرب بالسيئ فان الأسوأ قادم ، كما قال السياسي المصري الراحل فتحي رضوان قبل اثنين وعشرين عاما في مؤتمر خطابي بالقاهرة، بعد خطف أميركا الطائرة المصرية في أعقاب حادثة أكيلي لاورو. وللأسف فان نبوءة الراحل تتحقق بأسرع مما كان الجميع يتصور، فاليوم لم تعد أميركا وإسرائيل تختطفان الطائرات فقط وإنما الأوطان أيضا.