هناك مصطلح أو وصف يطلق في روسيا، وحتى في بعض الدول الأوروبية على بعض رؤساء دول يسمونهم «أبناء بوش»، هؤلاء الرؤساء الذين جاءت بهم واشنطن في بعض الدول أثناء حكم الرئيس بوش الابن عن طريق الانقلابات التي أطلق عليها اسم «الثورات الملونة» وتسميها إدارة بوش «الثورات الديمقراطية»، ومنهم الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي الذي أتت به الثورة الوردية في جورجيا عام 2003، والرئيس فيكتور يوشينكو الذي جاءت به الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004.
ويلحق بهما رئيس بولندا ليخ كاتشنسكي الذي تولى الرئاسة عام 2005 عن طريق الانتخابات لكنه يعد مثل الرئيس بوش ـ حسب استطلاعات الرأي ـ أقل رؤساء بولندا شعبية ،وهو الذي وقع اتفاقا نشر منظومة الدفاع الصاروخية الأميركية في بولندا مع الأميركيين في أغسطس الماضي في أعقاب الحرب في القوقاز كرد على الهجوم الروسي على جورجيا بعد غزوها لأوسيتيا الجنوبية، هؤلاء الرؤساء الثلاثة تدعمهم واشنطن بشكل علني واضح، والثلاثة يتفقون على صفة واحدة وهي «كراهية روسيا» والاستعداد للتحرش بها ومضايقتها وفق التوجهات التي تأتيهم من واشنطن.
ومازال الرئيس الجورجي ساكاشفيلي يحاول خداع الغرب والعالم بتبرير هجومه على أوسيتيا الجنوبية وإدانة روسيا لهجومها على جورجيا ، بالضبط كما فعل الرئيس بوش في تبريره لغزو العراق بناء على أكاذيب انكشفت بعد ذلك ، وها هي فضائح تلاميذ بوش الفاشلين تظهر وتنكشف حتى قبل رحيل الأستاذ من البيت الأبيض بأيام ، فقد تشكلت في جورجيا لجنة برلمانية للتحقيق حول حرب القوقاز والأهداف الحقيقية وراءها ، وهل دخل ساكاشفيلي هذه الحرب فعلا من أجل استعادة أوسيتيا الجنوبية لجورجيا ، أم لأهداف أخرى أمليت عليه من واشنطن بهدف التحرش بروسيا وجرها لحرب استنزاف طويلة المدى؟ وتم تكليف اللجنة البرلمانية بتحديد المسؤولين عن هزيمة جورجيا النكراء في هذه الحرب والخسائر التي تكبدتها.
وكما انكشفت فضائح وأكاذيب الرئيس بوش وإدارته علنا أمام الناس من خلال وسائل الإعلام ، ظهرت فضيحة ساكاشفيلي وأكاذيبه على الهواء مباشرة أثناء نقل التليفزيون الجورجي في نوفمبر الماضي لقاء للجنة البرلمانية ، في هذا اللقاء تحدث أمام الكاميرات السفير الجورجي السابق في موسكو قبل الحرب «إيروس كيتسمارشيفالي» وكان من أقرب المقربين لساكاشفيلي منذ توليه الحكم عام 2003 ، واتهم إيروس في حديثه الرئيس ساكاشفيلي بأنه كان يخطط، ليس فقط لحرب على أوسيتيا الجنوبية ، بل أيضا على أبخازيا ،
وأنه وضع خطة للهجوم على أبخازيا حضر السفير إيروس مناقشتها في مكتب الرئيس، وتم إحضار أسلحة وعتاد من إسرائيل لهذا الهجوم على أبخازيا في مايو الماضي، ولكن فجأة وبدون مقدمات تم العدول عن الهجوم على أبخازيا والتوجه للهجوم علا أوسيتيا الجنوبية، ويقول السفير إيروس أن ساكاشفيلي كان يخطط للهجوم على أوسيتيا منذ عام 2004 بعد أشهر قليلة من توليه الحكم ، لكنه لقي معارضة شديدة ممن حوله ، وخاصة رئيس الوزراء «زوراب جفاني» الذي قتل عام 2005 في ظروف غامضة.
تصريحات السفير إيروس تعني أن ساكاشفيلي جاء للحكم مدعوما من واشنطن ومكلفا بشن حرب على إحدى البلدين أوسيتيا الجنوبية أو أبخازيا بهدف جر روسيا للحرب الاستنزافية لشغلها عن مسيرة التنمية الجارية فيها، وأثناء إلقاء السفير لتصريحاته أمام كاميرات التلفزيون ألقى أحد أعضاء اللجنة من رجال ساكاشفيلي واسمه «جيفي تارجمادزه» قلمه في وجه إيروس ووصفه بالخائن والعميل لموسكو، ونقل التلفزيون الواقعة للشعب الجورجي الذي عرف رئيسه الذي لا يسعى لتوحيد أراضي جورجيا بضم أوسيتيا الجنوبية أو أبخازيا بل فقط ينفذ تعليمات واشنطن بجر روسيا للحرب مهما كانت أضرار هذه الحرب على بلده الصغير الفقير.
في بولندا كانت فضيحة أخرى في عندما نشرت صحيفة «ديزنيك» البولندية تقريرا في منتصف ديسمبر المنصرم حول حادث إطلاق النار على موكب الرئيس البولندي ليخ كاتشنسكي أثناء زيارته لجورجيا في الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي بدعوة من الرئيس ساكشفيلي بمناسبة مرور خمسة أعوام على الثورة الوردية في جورجيا. وقد دعا ساكاشفيلي العديد من رؤساء العالم، ولم يلب دعوته سوى كاتشنسكي فقط، حتى صديقه الحميم رئيس أوكرانيا يوشينكو قائد الثورة البرتقالية لم يستطع تلبية الدعوة بسبب المشاكل المشتعلة في كييف، صحيفة «ديزنيك» البولندية حصلت على تقرير للمخابرات البولندية حول إطلاق النار على موكب الرئيس البولندي وهو برفقة مستضيفه الرئيس ساكاشفيلي بالقرب من حدود أوسيتيا الجنوبية.
وكانت أجهزة الأمن البولندية والجورجية قد أذاعت الحادثة ونسبت إطلاق النار لجنود روس موجودين على الحدود بين جورجيا وأوسيتيا، والرئيسان ساكاشفيلي وكاتشينسكي صدقا على هذه المعلومات وأمروا بنشرها كإدانة لروسيا وتشويه لسمعتها، ولكن تقرير المخابرات البولندية الذي نشرته صحيفة «ديزنيك» جاء يكذب ما قيل ، حيث أفاد التقرير بأن زيارة الحدود الجورجية مع أوسيتيا الجنوبية لم تكن مدرجة على برنامج زيارة الرئيس البولندي لجورجيا وأنها أضيفت للبرنامج قبلها بساعة واحدة، مما يعني أنه لم يكن هناك تدبير من أية جهة أجنبية لإطلاق النار على موكب الرئيس.
وقال التقرير إنه أثناء سير موكب الرئيسين على الحدود مع أوسيتيا وقبل حادث إطلاق النار بعشر دقائق فقط أصدر الأمن الجورجي المرافق أوامر لسائق الباص الذي يحمل الصحافيين ورجال الإعلام ليتقدم بسرعة ليسير أمام سيارة الرئيسين، ولم يفهم أحد سبب ذلك ، إلا أنه كان بهدف إطلاع مندوبي وسائل الإعلام على حادثة إطلاق النار على سيارة الرئيسين، وكأن الأمن يعرف جيدا أن الحادث سيقع.
كما يقول التقرير إن رد فعل الرئيس ساكاشفيلي على الحادث حين وقوعه كان سلبيا وجريئا ، وكأن شيئا لا يهمه ، وهو المعروف عنه خوفه ورعبه الشديد وتكثيفه لحرسه الخاص كما شاهده الجميع أثناء الحرب في القوقاز وهو يركض وينام على الأرض أثناء غارات الطائرات الروسية ، لكنه أثناء هذا الحادث كان جريئا وواثقا من نفسه أكثر من اللازم ـ على حد وصف تقرير المخابرات البولندية ـ ولم يقم الأمن الجورجي بأي رد على إطلاق النار، وخرجت الصحف ووسائل الإعلام في جورجيا وبولندا تصف الحدث تحت عنوان «هجوم روسي على موكب الرئيسين».
ما نشرته صحيفة «ديزنيك» البولندية نقلا عن تقرير المخابرات البولندية أحدث ضجة كبيرة اتسعت لتشمل عدة دول أوروبية، واعتبرتها الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية فضيحة جديدة لنظام الرئيس الجورجي ساكاشفيلي المكلف بتشويه سمعة روسيا بأي شكل من الأشكال، أما الصحف البولندية فقد استغلت الفضيحة للتشهير بالرئيس البولندي كاتشينسكي صاحب الشعبية المتدنية في بولندا، خاصة وأن وزير الداخلية البولندي «بيوتر باشكوفسكي» أكد على صحة ما ورد في التقرير الذي نشرته الصحيفة.
رغم هذه الفضائح المتكررة لرؤساء الدول الذين تدعمهم واشنطن وتفرضهم على شعوبهم تحت شعارات الديمقراطية ، إلا أن هؤلاء الرؤساء أصحاب الشعبية المتدنية لا يكفون عن أداء مهامهم في التحرش بروسيا ومحاولات تشويه سمعتها ، ونجد الرئيس البولندي كاتشينسكي يقود حملة ضد روسيا داخل الاتحاد الأوروبي ويطالب بمقاطعتها.
بينما الرئيس الجورجي ساكاشفيلي رغم فضيحته في الحرب في أغسطس الماضي وهزيمته النكراء فيها مصمما على التحرش بروسيا والمضي في محاولاته لجرها لحرب جديدة ، وعلى ما يبدو أن الأوامر مازالت تأتي من البيت الأبيض بذلك رغم اقتراب رحيل إدارة بوش ، وكأن هذه الإدارة تريد أن تترك لإدارة أوباما القادمة إرثا ثقيلا لا تستطيع الإفلات منه ، وربما يستدل على ذلك باتفاق الشراكة الإستراتيجية التي أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية في أواخر ديسمبر المنصرم عن عقده قريبا مع جورجيا، الأمر الذي يتوقع معه أن الرئيس بوش الأستاذ سيرحل لكن تلاميذه سيظلون على النهج الذي تعلموه منه.
د. مغازي البدراوي