إسرائيل غنيّة بالسفّاحين. قياداتها ضربت الرقم القياسي في كارثة سفك الدم. رؤساء حكومات ووزراء دفاع ورؤساء أركان، ناهيك بالموساد وحتى قطعان المستوطنين. أوسمة المجازر مزدحمة على صدورهم. كلهم مغمّسة أيديهم في نحر المدنيين بالجملة. تباروا فيما بينهم، بأساليب وطرق ارتكاب هذه الجريمة.
من دير ياسين، بالسلاح الأبيض؛ إلى مدرسة عين البقر بالقصف الجوّي؛ إلى قانا بالقصف الصاروخي، ثم إلى الحرم الإبراهيمي بسلاح اليد... واليوم في غزة. مارس صنعته بتلذّذ، منذ نعومة أظافره العسكرية . تسلّق سلّم الترقيات، ثم الأدوار القيادية؛ على رصيد انجازاته الدموية. هو من نفس طينة أساتذته الذين سبقوه على هذه الدرب. لكن ميزته أن شخصيته جامعة لخصال كبار هؤلاء. فهي تركيب من صهيونية بن غوريون وعنصرية بيغن ودموية شامير وشراسة شارون وثعلبة بيريز.
كل المواصفات اللازمة لتفوّق قاتل، التقت مع طبع الغدر؛ الذي يمتلكه ويمارس صنوفه بقفّازات من حرير. مجبول بسموم الحقد ومعجون بعصارة الكراهية. بسمته الصفراوية، تخفي وراءها أنياب ذئب مسنونة وجاهزة باستمرار، لنهش اللحم الفلسطيني. وقد انغرست فيه وافترسته، مراراً وتكراراً. عام 1972 تسلل إلى بيروت، على رأس مجموعة من القوات الخاصة؛ متنكراً بزي امرأة؛ وقصد شقق القياديين الفلسطينيين، أبو يوسف النجار، كمال عدوان والشاعر كمال ناصر؛ ليتولى مع رفاقه، نحرهم بالأسلحة الكاتمة للصوت.
كرّر نفس الغدر، عام 1988 عندما قاد مجموعة كوماندوز، في عملية مركبة بحرية جوية وبرية، إلى تونس لتصفية الشهيد خليل الوزير، أبو جهاد. معلّمه شامير، رئيس الحكومة آنذاك، جهّز له حملة من السفن الحربية والزوارق والطائرات ورجال الموساد؛ ليذهب بمهمة اغتيال لقيادي فلسطيني يعيش على بعد آلاف الكيلومترات عن أرضه؛ لأنه كان يقود من منفاه انتفاضة، ما عادت إسرائيل تطيقها. أخذ اسم باراك يلمع. مع بداية عام 91 كوفئ بالوصول إلى كرسي رئاسة الأركان.
ثم بعد التقاعد انتقل إلى حقل السياسة، ليبدأ في الصعود إلى دوائر صنع القرار السياسي؛ من وزير إلى رئيس لحزب العمل وبالتالي إلى رئاسة الحكومة. واليوم هو في المقعد الذي سبق وشغله والذي يتلاءم تماماً مع مهنته الأصلية كقاتل. لكن هذه المرة في ظرف، يقود فيه ما يشبه حملة إبادة؛ تولى هو شخصياً هندستها واتخاذ القرار بالتحضير لها، بعناية الصيّاد الذي يتربص بطريدته.
منذ أكثر من ستة أشهر، حسب جريدة هآرتس الإسرائيلية، أعطى أوامره لإعداد الخطط وجمع المعلومات اللازمة، لحرب وصفها قبل أيام بأنها باتت مفتوحة. وكي تبقى الحالة ساخنة والذرائع قائمة، حرص على ان تقوم قواته، من حين لآخر، بخرق التهدئة التي تمّ الاتفاق بخصوصها، أواخر الربيع الماضي ولمدة ستة أشهر.
تعمّدت الاغتيالات، استدراجاً للرد، الذي كان يتخذ حجة لإقفال المعابر؛ وبالتالي تشديد الخناق على القطاع، عبر التجويع وتنغيص العيش. وما أن انتهت الفترة حسابياً، حتى تعمّدت قواته تفجير الموقف باغتيال خمسة فلسطينيين، في غزة. كانت محاولة استدراج واضحة. فخّ باراك حقق لإسرائيل ما أرادت، لتفتح جحيم نيرانها على القطاع وأهله المنكوبين.
الآن وقد مضت عدة أيام على هذا الجحيم، يقف باراك في بيانه الصحفي اليومي؛ متباهياً بقدرات وتفوق آلته العسكرية؛ متوعداً غزة وأهلها بالمزيد من الحديد والنار والمزيد من التوغل والتوسيع، في ميدان القتال. كلما ارتفع عدد الضحايا وحجم الخراب، تنفرج أساريره أكثر. كان في ما مضى، يمارس مهنته بالعمليات الخاصة والقتل المحدّد. اليوم هو يمارسها بالحرب المتواصلة وبالقتل المفتوح على إبادة. لا شك انه يشعر بنشوة بلوغه هذه الذروة، في مسيرته الفاحشة بدمويتها.
فيكتور شلهوب