في تناولنا الأسبوع الماضي لقضية الصحافي العراقي منتظر الزيدي ورميه الرئيس بوش بفردتي حذائه أشرنا إلى دلالة هذا الموقف وكونه يعبر (في رأينا) عن بعد من أبعاد الكراهية العربية للسياسات الأميركية. وأضفنا أنه من هذا المنطلق وعلى خلفية قضايا أخرى عديدة يصبح تغيير السياسات الأميركية مطلبا ضروريا لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي.

لم تمض أيام حتى جاء العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة وهو العدوان الذي أسفر حتى لحظة كتابة هذه السطور عن سقوط أكثر من ألفي شهيد وجريح فلسطيني معظمهم من المدنيين وهو التطور الذي يضيف إلى قضية الكراهية فصل جديد على خلفية طبيعة الموقف الأميركي من هذا العدوان. فلم تكد إسرائيل تبدأ قصفها الجوي لغزة حتى سارعت الولايات المتحدة إلى إدانة حماس بدعوى أن استمرار هجماتها الصاروخية على إسرائيل هو السبب في الأحداث وأنها يجب أن تتوقف حتى ينتهي العنف. .

قد يكون الموقف الأميركي معروفا مسبقا، في ضوء الحقيقة التي ترتقي إلى مستوى البديهة والمتعلقة بالتأييد الأميركي الأعمى لمواقف تل أبيب، غير أن الحنكة السياسية تقتضي في بعض الأحيان تغيير النمط التقليدي في التعاطي مع القضايا التي يواجهها صانع السياسة. وعلى هذا الأساس نشير إلى أن صياغة موقف واشنطن تجاه أحداث غزة جاء استمرارا لمواقف سابقة رغم الطبيعة الاستثنائية للحدث والتي كانت تتطلب قدرا من عدم المساندة الفجة للسياسة الإسرائيلية.

مشكلة الموقف الأميركي بشأن أحداث غزة الأخيرة كما هو في عدد من القضايا الأخرى المتعلقة بعالمنا العربي والإسلامي أنها لم تساو بين الضحية والجلاد وإنما ساندت الجلاد في مواجهة الضحية، وتخلت عن كافة المعايير الإنسانية في تحديد موقفها من الأحداث. ومن الغريب أن تندد واشنطن بصواريخ حماس التي قتلت على مدى ثمانية أعوام عشرين إسرائيلية فقط فيما تتغاضي عن العمليات الإسرائيلية التي قتلت ما يقرب من 300 شخص خلال يوم واحد تقريبا.

من الغريب كذلك وفيما يكشف عن حالة مثالية لما نشير إليه بشأن أبعاد الكراهية أن الولايات المتحدة وهى القادرة على تغيير مسار العمليات وتوجيه سلوك قادة إسرائيل لم تحاول امتصاص الغضب الشعبي العارم الذي انطلق في جميع أنحاء العالم. فلا توجد تقريبا مدينة عربية أو غير عربية لم تنطلق فيها مظاهرات حاشدة منددة بالعدوان الإسرائيلي ما جعل الولايات المتحدة (وإسرائيل بالطبع ) فضلا عن بقية المساندين الآخرين والذين تختلف درجة مساندتهم، تقف في الصف المناوئ لإرادة الشعوب، وهى الإرادة التي من المتصور إنها تعبر موقف إنساني لم تلوثه مصالح السياسة.

ولعل ذلك هو ما دفع مسؤولا أممياً إلى الإشارة إلى أن العمليات الإسرائيلية وما نجم عنها من خسائر بشرية مأساوية تمثل تحديا للبلدان المتواطئة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في انتهاكات الاحتلال للقانون الدولي. ورغم أن الأحداث تقع في الأيام الأخيرة لإدارة بوش بتوجهاتها التي تتسم بالتأييد الشديد لإسرائيل، إلا أنه قد يكون من الإسراف توقع تغيير ذي شأن من قبل الإدارة الجديدة والتي دافع رئيسها أوباما لدى زيارته تل أبيب عن سياسة إسرائيل في مواجهة قصف حماس لها بالصواريخ.

والأمر الذي لا شك فيه أن تلك الأحداث ستضيف المزيد من الوقود إلى قضية الكراهية على نحو قد يفاقم منها بدلا من احتوائها في ضوء ما تبدو عليه الولايات المتحدة من كونها تقف ضد الإرادة الشعبية الأمر الذي يتكرر هذه الأيام بعد المظاهرات الدولية العارمة التي خرجت احتجاجا على غزو العراق.

مصطفى عبد الرازق