لم يكن مفاجئاً لأوساط المراقبين والمحللين السياسيين في واشنطن العدوان الذي بدأته إسرائيل على قطاع غزة السبت الماضي، ولم يكن مفاجئاً التأييد الفوري لإسرائيل من إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش المنصرفة في العشرين من هذا الشهر، ووصفها للعدوان بأنه «حق لإسرائيل في الدفاع عن نفسها»، حسب قول المتحدث باسم البيت الأبيض الذي قال أيضاً: «إن الولايات المتحدة تتفهم حاجة إسرائيل للقيام بالعمل للدفاع عن نفسها».
وحمّل حركة «حماس» المسؤولية قائلاً: إنه إذا كان للعنف أن يتوقف، فيجب على حماس أن تتوقف عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وتوافق على قبول وقف للنار قابل للديمومة. لكن ما أثار الكثير من الأسئلة هو التوقيت الذي اختارته إسرائيل للعدوان، وما المتوقع أن يقوم به الرئيس بوش وإدارته خلال الأيام القليلة المتبقية من رئاسته؟ والسؤال الأهم: ما المتوقع أن يقوم به الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما لمواجهة ومعالجة الوضع الذي استجد بعد العدوان.
يجمع المراقبون في واشنطن على أن توقيت إسرائيل «لعملياتها العسكرية في قطاع غزة»، حسب وصفهم، يأتي استغلالاً لما تبقى من أيام فترة انتقال الرئاسة الأميركية، حيث الإدارة المنصرفة لن تواجه أي ضغط عليها للتحرك، بل إن إسرائيل متأكدة ومطمئنة إلى الدعم القوي من الإدارة، وهذا ما تأكد، وكرس موقف إدارة الرئيس بوش وإدارته الداعم لإسرائيل بشكل مطلق منذ توليه الرئاسة.
ورأى بعض المراقبين والخبراء، بل ومسؤولون كبار في الإدارة المنصرفة أن توقيت إسرائيل للهجمات جاء لعدم قدرتها على التنبؤ والتأكد مما ستكون عليه سياسة إدارة الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما في التعامل مع القضية، ولذلك تريد أن تنهي إسرائيل موضوع حماس قبل أن يتسلم الرئيس الجديد مقاليد الرئاسة في العشرين من هذا الشهر، ولا تريد «إسرائيل» أن تبدأ تعاملها مع الإدارة الجديدة بعمليات عسكرية ضد حماس، وهي تأمل أيضاً أن تتمكن من تحقيق هدفها في القضاء على قدرات حماس العسكرية إلى أقصى حد ممكن قبل تولي أوباما الرئاسة، ولهذا يرى كثيرون أن العدوان قد يستمر وقتاً أطول مما يتوقع الكثيرون.
وقد تختتمه إسرائيل بغزو بري لقطاع غزة لتدمير ما تبقى من بنية عسكرية وتحتية لحركة حماس، وهو ما تدّعي إسرائيل أنه لن يكون إعادة احتلال لقطاع غزة، وأن مخططاتها، حسب بعض التقارير هو أن تنهي عملياتها العسكرية قبل العشرين من هذا الشهر، مستغلة الدعم المطلق من بوش وإدارته.
وما يؤكد هذا، أنه لا بوش ولا أي مسؤول كبير في إدارته، صرح بشيء عن العدوان، رغم ما أحدثه من ردود فعل عالمية مستنكرة. وجاء العدوان ليؤكد فشل الجهود التي قامت بها إدارته خلال العام الماضي. فبدلاً من أن تتحقق «رؤيا» بوش بحل الدولتين فلسطين وإسرائيل مع نهاية عام 2008، اختتمت إسرائيل هذه الجهود بالعدوان الذي يجمع المراقبون على أنه خلق عقبات وصعوبات إضافية إلى العقبات الموجودة، ستواجه الرئيس الأميركي المنتخب وإدارته، عندما يبدأ الجهد لمعالجة وحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وانطلاقاً من القناعة التامة بأن بوش لن يقدم على أي شيء يُذكر خلال ما تبقى من رئاسته، فإن التركيز ينصب على ما سيكون عليه موقف إدارة أوباما، وكيفية معالجتها للقضية. وفي هذا السياق، يرى فريق من الخبراء والمراقبين أن العمليات العسكرية أخرت اهتمام الرئيس أوباما لمعالجة الصراع إلى سنتين على أقل تقدير، وهو رأي يلقى صدى وتأييداً عندما يُثار في الإدارة الجديدة، يدعو إلى عدم إعطاء أولوية لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي على جدول السياسة الخارجية للرئيس أوباما وإدارته لأن هذا الصراع طويل ومعقد، وسيستنزف الكثير من الجهد والطاقات دون جدوى، ما سيؤدي إلى انتكاسة للإدارة.
بينما يرى فريق آخر، أن الهجمات العسكرية دفعت وبقوة قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لتكون في موقع أولوية على جدول إدارة أوباما للسياسة الخارجية، وخلقت للرئيس الجديد أوباما اختباراً على صعيد السياسة الخارجية منذ اليوم الأول لرئاسته، إلى جانب الاختبار المتمثل في الحرب في العراق وأفغانستان.
ويؤكد ذلك، العناية الكبيرة التي اختار بها كلماته ديفيد اكسيلرود، الذي سيشغل منصب كبير مستشاري أوباما في البيت الأبيض، عندما أجاب عن سؤال عن موقف أوباما من القضية وكيف سيتعامل معها. فقال: «إنه (أوباما) يريد أن يكون قوة بنّاءة في المساعدة لإحلال السلام الذي يريده ويستحقه الإسرائيليون والفلسطينيون في الشرق الأوسط. وأن أوباما سيعمل عن قرب مع الإسرائيليين والفلسطينيين نحو هذا الهدف».
وأكد اكسيلرود على أن الرئيس المنتخب يتلقى تقريراً عن تطورات الوضع يومياً، مثل التقرير الذي يتلقاه الرئيس بوش، وان التزام الرئيس المنتخب عدم التعليق على الوضع يأتي انطلاقا من أن هناك رئيسا واحداً للولايات المتحدة يتحدث باسمها اليوم، وحتى العشرين من يناير، وهو الرئيس بوش.
ويتفق الكثيرون في أوساط المراقبين والمحللين على أنه ومهما كانت نتائج العمليات العسكرية، فان إسرائيل قد تضعف حماس عسكريا، لكنها ستصبح أكثر قوة سياسيا، وستحظى بدعم عربي واسع، كما حظي به حزب الله بعد عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، وان محصلة العمليات في النهاية تتمثل في أن الرئيس المنتخب سيرث وضعا سيئا أكثر مما كان عليه قبل عام عندما عقد مؤتمر أنابوليس. ثم ان إسرائيل وان تمكنت من اضعاف حماس، فمن المؤكد أنها لن تقدر على القضاء عليها.
ومهما يكن موقف الرئيس الأميركي الجديد وإدارته، فان الأمر المؤكد أن الرئيس «أوباما» سيكون جديدا، لكن الدعم الأميركي لإسرائيل سيظل كما هو مثل القديم، وإن تركيز إسرائيل على ما قاله أوباما من دعم لها أثناء زيارته لها في حملته الانتخابية، وعبر فيه عن دعم كبير لها، مؤشر على الضغوط التي بدأت تمارس مبكرا لاحتواء أي تغيير جدي في سياسة الإدارة، لإقناع إسرائيل بالتحرك جديا نحو إحلال السلام في المنطقة.
ومن المرجح أن إدارة الرئيس أوباما، ستنخرط في عملية لإحلال السلام في المنطقة. يأمل كثيرون في أن يكون مختلفا عن سلفه بوش الذين افتقر إلى دور الوسيط النزيه والفعال لحل الصراع، بسبب دعمه المطلق لإسرائيل. ويتوقع كثيرون. أن يكون أول فارق بين الرئيس الأميركي المنصرف والرئيس المقبل، في التعامل مع القضية، تعيين مبعوث خاص للشرق الأوسط. ومع ذلك يتخوف البعض أن يستمر الرئيس الجديد في نهج وسياسة الدعم لإسرائيل، مثل سلفه الرئيس بوش، مما سيفقده دور الوسيط النزيه الفعال، وسيعقد بل وسيجعل من المستحيل تحقيق هدفه لتحسين صورة الولايات المتحدة عند العرب والمسلمين.
ولا يخفي بعض المسؤولين في إدارات أميركية سابقة تشاؤمهم وقلقهم حيال مستقبل حل الصراع وإمكانيات الرئيس الجديد أوباما، خصوصا وانه يحيط نفسه بمسؤولين أصدقاء لإسرائيل، لمعالجة الصراع، اعترف بعضهم، بعدما ترك منصب المسؤولية في عهد إدارة الرئيس السابق كلينتون. انهم كانوا «محابين» لإسرائيل في أية مفاوضات جرت بينها وبين الجانب العربي.
محمد صادق