يبدو أن قضية الصحافي العراقي منتظر الزيدي، سوف تنتهي على طريقة المواطن العربي عبد الودود بطل فيلم (الحدود) الذي قام بدوره الممثل السوري المبدع دريد لحام. ففي الفيلم تعاطف الجميع مع مأساة عبد الودود، فكتبت الصحف تسانده وتتخذ من قصته مادة لزيادة التوزيع، وتهافت السياسيون وتكالبوا من كل الأرجاء، وفي إطار التضامن معه شجبوا ونددوا، وأراحوا ضمائرهم بالكلام. وبانتهاء المولد السياسي انفض السامر، وتركوا عبد الودود وحيدا غير قادر على تغيير وضعه، فكانت النتيجة أنه لم يغادر مكانه وظل معلقا بين الموت والحياة.
الآن يعيش الزيدي الموقف نفسه، فعلى الرغم من إعلان ما يزيد على المائة محام عربي استعدادهم للدفاع عنه، فان أيا منهم لم يحمل حقيبته ويتوجه إلى بغداد لتمثيله قانونيا ، ربما لأن الأمر عند البعض مجرد تمثيل في تمثيل. والنتيجة أن الزيدي يعيش في زنزانته وحيدا محاصرا ومعزولا عن العالم، بل ومحروما من أبسط حقوقه القانونية والإنسانية.
والأدلة كثيرة، الأول منها أن قاضي التحقيق العراقي ضياء الكناني أعلن يوم الجمعة الماضية أن منتظر تعرض للضرب، وهو المسمى المخفف أحيانا للتعذيب، فالذي ضربه، ليس لديه ما يمنعه من تعذيبه. والمرجح أنه عذب حتى نال منه الألم، لأن العقلية التي تحكم العراق الآن لا تختلف عن عقلية نظام صدام حسين من حيث التنكيل بالخصوم.
والدليل الثاني أن حراس رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ضربوا الزيدي أمام الكاميرات فور قذفه الحذاء، ولم يرتدعوا من وجود كاميرات الإعلام، بل أن المالكي نفسه لم يمنعهم من ذلك ، ولم يطلب منهم الالتزام بالقانون. والدليل الثالث أن قاضي التحقيق ومكتب رئيس الوزراء كشفا أن منتظرا أرسل خطابا يعتذر فيه عما فعل ويطلب الإفراج عنه، مما يشي بأنه عومل بطريقة قاسية جدا. وقد شككت أسرته في القصة بأكملها ورجحت أنه تعرض لضغوط قوية.
وهناك أيضا دليل رابع يتمثل في الإقدام على تدمير حذاء الزيدي كي لا يتحول إلى رمز عربي لكراهية أميركا، مع العلم أن الحذاء يعتبر أداة الجريمة ودليل الاتهام، وحرزا قانونيا في القضية لا يجوز إتلافه أو التخلص منه، إلا بعد انتهاء المحاكمة، ويشترط القانون أن تتصف المحاكمة بالعلنية.
ولكل الأدلة السابقة أشك كثيرا في إمكانية الحكومة العراقية إجراء محاكمة علنية عادلة للزيدي، لأن المحاكمة العلنية المفتوحة للناس ستكون عبئا أمنيا عليها، والرجل تحول إلى بطل عربي، وأيا كان الحكم الذي يصدر بحقه فانه لن ينال من هذه المكانة. وهذا ما تحاول الحكومة العراقية إبطاله عن طريق الترويج لرسالة الاعتذار. وهو أسلوب أمني وإعلامي فاشل لا يقنع عاقلا. فالحكومة تريد أن تضرب القضية في الضمير العربي.
ولكن أيا كانت مساعي وأهداف النظام الرسمي العراقي، ذلك النظام المحتل في ضميره الوطني والقانوني من جانب الولايات المتحدة الأميركية (الطرف الثاني في الحادثة)، فان المحامين والقانونين والسياسيين العرب غير معفيين من عدم جدية التعامل مع القضية.
إننا نتسلى بما جرى وننفس به ضعفنا وخيبتنا، من دون أن نتخذ موقفا فاعلا على صعيد مؤازرته، وإنقاذه مما يجري ضده. وهنا لا يستثنى أيضا قطاع واسع من الإعلام العربي الذي حول قضية الزيدي إلى مادة دسمة على طريقة عبد الودود، بدليل التركيز على الجانب الساخر حتى طغى على معاناة صانع الحدث. إننا جميعا نعيد إنتاج نموذج عبد الودود في قضية تتوقف علينا فيها حياة إنسان أقدم، كما قال الكاتب فهمي هويدي، على عملية استشهادية.
وهنا مصدر المفارقة بين عقلية عربية فاعلة ومتفاعلة وبين عقلية أخرى لا تريد الابتعاد عن مربع التسلية. وكأننا سقطنا جميعا في عملية تخدير محبوكة لتفريغ شحنة التعاطف مع الزيدي. فننسى جانبها الجاد، وهو الجانب الذي أدركه من أرادوا إبعاد القضية عن جوهرها، بل وعمقها الاستراتيجي المتمثل في أن حذاء الزيدي انطلق من محطة الكراهية العربية للسياسات الأميركية، وصار رمزا لها اليوم وغدا.