آخر ما كان يتصوره الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جورج دبليو بوش، أن يستقبل بالحذاء في العراق، لأنه لم يعرف من العراقيين إلا غثاء ساسة يعملون تحت إمرته بالريموت كونترول. لم يسبق له أن خبر عراقيين من نوعية الصحافي منتظر الزيدي، ولكنه أجبر مؤخرا على ذلك. والفضل يعود للحذاء العربي الأصيل. فقبل غزو العراق أوهم بوش جنوده وهو يحثهم على الحرب بأن العراقيين سوف يستقبلونهم بالورود وعندما ذهبوا استقبلهم العراقيون بالصواريخ.

وطوال خمس سنوات لم يتعلم بوش الدرس وذهب إلى بغداد مجددا ممتطيا نشوة انتصار كاذب ففوجئ بقصف نعلاوي عنيف من الزيدي الذي استجمع قوة الكراهية وهو يقذف حذاءه. المشهد بقدر ما كان مثيرا، كان مكشوفا أمام عدسات المصورين الذين تمكنوا من تصويره من عدة زوايا مما فضح الرئيس. لقد ذهب بوش إلى بغداد وتحصن في المنطقة الخضراء لتوقيع الاتفاقية الأمنية فاكتشف بنفسه أنه لا أمان في العراق لأي أميركي ولو كان الرئيس نفسه.

تنوعت الآراء حول ما جرى، لكن كان هناك شبه إجماع على أنه انعكاس لحالة الكراهية العراقية والعربية للسياسة الأميركية. أكثر العرب من جانبهم عبروا عن سعادتهم وأحدهم من السعودية عرض شراء حذاء الزيدي بعشرة ملايين دولار ليصبح الأغلى في العالم وأسرتان مصرية وفلسطينية عرضتا أن تزوجاه من بناتهما. وهكذا تحول منتظر الزيدي من صحافي عادي إلى بطل عربي.

بعض متصنعي العقلانية عابوا عليه فعله، وقالوا لو أنه سأل الرئيس بوش سؤالا جادا حادا لكان أفضل، فهو صحافي سلاحه القلم والميكروفون. ربما يكون هذا الكلام صحيحا لو لم تكن القوات الأميركية قد قتلت مليون عراقي وشردت خمسة ملايين. وهذا ما لا يحتمله أي عربي عاقل. وقد اشتهر الزيدي بين زملائه ومعارفه أنه محب لوطنه ورافض عنيد للاحتلال.

ولد منتظر الزيدي في منتصف يناير1979 بمدينة العمارة ويبلغ من العمر 29 عاما غير متزوج ويقيم مع أسرته البالغة عشرة أشقاء منهم أربعة ذكور هو ثالثهم في الترتيب. درس الميكانيكا في أحد المعاهد العليا وبعد تخرجه عمل في قناة الديار التلفزيونية ثم في قناة البغدادية التي كان يمثلها في المؤتمر الصحافي. وقد اشتهر عنه إعداده للتقارير الرافضة للاحتلال الأميركي كما شارك في تغطية العديد من الأحداث المهمة منها الاشتباكات التي وقعت بين ميليشيا الصدر والاحتلال والانتهاكات التي شهدتها مدن عراقية بأيدي القوات الأميركية.

وعرف عن قرب مدى الدموية التي تمارسها هذه القوات بحق العراقيين. اهتم الزيدي بأمور السياسة منذ بداياته وتفيد بعض التقارير الصحافية أنه انضم خلال سنواته الجامعية إلى اتحاد طلبة العراق. ويقول زملاء له أنه كان عضوا في حزب العمال الشيوعي الذي حل نفسه قبل سنتين واندمج في الحزب الشيوعي العراقي ولكن أسرته تنفي ذلك.

ويفيد شقيقه ميثم انه لم ينضم لأي حزب لأنه كان حريصا على استقلاله الفكري والسياسي. وقبل عامين اختطف منتظر من جانب مجموعة مجهولة وبعد ثلاثة أسابيع تم الإفراج عنه وخلال فترة اختطافه التي كانت لها علاقة بجرأته في عمله خصصت قناة البغدادية برنامجا يدعو مختطفيه لإطلاق سراحه. وبعد الإفراج عنه أغارت القوات الأميركية على بيته واعتقلته لمدة ليلة كاملة، وتعرض خلال ذلك لمعاملة خشنة.

فور وقوع حادثة الحذاء انهال عليه حرس المالكي بالضرب أمام عدسات المصورين. وتم اعتقاله وجرى تحقيق سري معه دون حضور محامين على الرغم من تطوع أكثر من مائة محام عربي للدفاع عنه. وتطالب عدة جهات ومنظمات حقوقية من بينها اتحاد المحامين العرب بتوفير محاكمة عادلة له. وليس معروفا بعد مدى استجابة الحكومة العراقية لهذه المطالب خاصة وأن قاضي التحقيق العراقي ضياء الكناني كشف يوم الجمعة الماضية أن منتظر الزيدي تعرض للضرب في محبسه.

أحمد الكناني