تؤكد دروس التاريخ أن صبر الشعوب على الفساد والقمع و على الجوع والفقر له حدود ، وأن أكبر أخطاء الأنظمة الحاكمة اعتقادها بأن شعوبها مغيبة تماما و مستسلمة لأحوالها البائسة ولا حول لها ولا قوة ، وهذا ما أثبتته بالفعل الأحداث الدامية التي اندلعت في اليونان في السابع من ديسمبر الجاري.

حيث اندلعت مظاهرات الطلبة والشباب في العاصمة أثينا وخرجت قوات الأمن اليونانية لتواجهها بقوة وشراسة ، مما أدى لمصرع فتى في الخامسة عشرة من عمره برصاص الشرطة، وعلى إثر ذلك اشتعلت الإضرابات والمظاهرات الطلابية التي خرجت من جامعة أثينا التقنية، واستجابت لها باقي جامعات اليونان شمالا وجنوبا حتى وصلت إلى جزر رودس وكريت وغيرها ، ما أثار اهتمام وقلق كبير في باقي دول الاتحاد الأوروبي الذي تعتبر اليونان واحدة من أفقر دوله وأكثرها ضعفا في الاقتصاد والتنمية.

ويرى المراقبون أن قلق الاتحاد الأوروبي ودوله من هذه الأحداث لا يعود على اليونان ذاتها بل على الأوضاع في العديد من بلدان أوروبا التي لا تختلف كثيرا عن الأوضاع في اليونان، خاصة في ظل الأزمة المالية العالمية التي يتوقع تفاقمها وانفجارها في عدة دول أوروبية قريبا ، حيث يوجد في معظم الدول الأوروبية نفس النظام الموجود في اليونان ما بين يمين محافظ يستحوذ على السلطة ويعمل لحساب مصالح الأغنياء ، ويسار معارض من أحزاب اشتراكية وغيرها يسعى لاستغلال الضغط على الشعوب للوصول للسلطة.

الفساد والفقر والبطالة والغلاء هم سمات المجتمع اليوناني منذ سنوات مضت، والأحزاب اليسارية والمعارضة تمارس لعبتها في استغلال الأوضاع في مواسم الانتخابات فقط ، بينما هي صامتة طيلة الوقت، ولم تكن السلطات في اليونان تتوقع انفجار الأوضاع لهذه الدرجة، خاصة وانها على حوار متصل مع المعارضة اليسارية التي يقودها حزب «الباسوك» الاشتراكي بزعامة جورج باباندريوس.

كما أن مقرات اتحاد نقابات العمال و اتحاد موظفي القطاع العام مثلها في اليونان مثل مكاتب الأحزاب العربية المعارضة لا حياة فيها سوى في مواسم الانتخابات، وما أن اندلعت مظاهرات الشباب والطلبة وتصاعدت الأزمة حتى سعت المعارضة والاتحادات لركوبها.

رغم أنهم لا دور لهم في إشعالها ، بل أشعلها الفقر والجوع واستشراء الفساد والثراء الفاحش لدى قلة مقربة من النظام، وحتى الأسلوب الذي يواجه به رئيس الحكومة «كرامنليس» انتفاضات الطلبة والشباب لا يختلف كثيرا عن أساليب الأنظمة العربية في مثل هذه الحالات، حيث لا يكف كرامنليس عن التهديد والوعيد بالمزيد من القمع للطلبة ، بينما يأمر بصرف تعويضات للأغنياء المتضررين من الأحداث ، ما يزيد من الغضب الذي بات يهدد اليونان التي سوف يتكبد اقتصادها خسائر فادحة من جراء هذه الأزمة بعد أن ضاع منها موسم السياحة في أعياد رأس السنة لهذا العام .

تصاعد الأحداث الجارية في اليونان ومظاهرات وإضرابات الطلبة هناك جعلتني أعود بالذاكرة لسنوات مضت عندما كنا طلبة في الجامعة في مصر نتظاهر ونثور ونُضرب ونعتصم ونخرج للشوارع ، ونلتحم مع قوات الأمن المركزي ، ونتفاعل بحماس شديد مع قضايا الناس والوطن والأمة كلها ، وأتذكر كيف كانت الجامعات المصرية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تضج بالحيوية والنشاط السياسي بدرجة كانت تؤثر بالفعل في صنع القرار السياسي والاقتصادي وتوجيه دفة الأمور في البلاد.

وأنظر الآن إلى حال الجامعات المصرية والعربية كلها، وما يطغى عليها من فتور وسلبية شديدة تجاه ما يحدث في مجتمعاتنا العربية وما يدور حولنا من أحداث ، وأتساءل .. لماذا ؟ ، هل الأحوال الآن أفضل مما كنا عليه في السبعينات والثمانينات ؟ ، ألم تعد هناك قضايا في المجتمع تستحق ثورة طلبة الجامعات ومظاهراتهم ؟.. ما الذي حدث للجامعات العربية؟.

بالقطع أنا لا أقصد هنا التحريض ولا الدعوة للتظاهر والاعتصام، فقط أتساءل عن دور الجامعات العربية في المجتمع الآن ، وهو تساؤل جاد للغاية وليس بسيطا كما يتصور البعض ، فالجامعة في أي مكان في العالم ليست مجرد مؤسسة للتعليم وقاعات للمحاضرات وتلامذة يدرسون ويجتهدون من أجل اجتياز الامتحانات والحصول على الوظائف، إنها مرحلة هامة للغاية في بناء المجتمع و إعداد قادته و كوادره و نخبه المتميزة في كافة المجالات ، والجامعة أيضا ساحة من أنشط الساحات السياسية في المجتمع ، تتوجه إليها الأحزاب والنخب وكافة التيارات السياسية لتبحث داخلها عن قاعدة شعبية قوية لها تدعمها في طرح قضاياها وبرامجها.

ولو نظرنا للتاريخ سنجد أن شهرة أكبر جامعات العالم لا تعود لكم التفوق الدراسي والعلمي فيها بقدر ما تعود للفعاليات التي شاركت بها هذه الجامعة أو تلك في الحياة السياسية في المجتمع ، ابتداء من جامعة كامبريدج العريقة في بريطانيا ودور طلابها في الثلاثينات ضد الفاشية، ووصولا إلى جامعة السوربون وباقي الجامعات الفرنسية وأحداث عام 1968 التي أسقطت الزعيم الفرنسي شارل ديجول وأجبرته على الاستقالة.

وفي العام ذاته شهدت جامعات مصر مظاهرات حاشدة في عهد الزعيم جمال عبد الناصر ، ومنذ عشرة أعوام كانت مظاهرات طلبة الجامعات في إيران التي غيرت شكل الحياة السياسية هناك و أوجدت تيار الإصلاحيين ، وبغض النظر عن أسباب و دوافع هذه المظاهرات أو تلك ، إلا أن أحدا لا يمكن أن ينكر مدى تأثير وفاعلية تحرك طلبة الجامعة.

أحيانا تنتابني الدهشة وأتساءل ، كيف كنا منذ أكثر من ربع قرن مضى عندما لم تكن هناك فضائيات ولا أجهزة اتصال مثل أجهزة المحمول والإنترنت وغيرها ، ولم يكن هناك هذا الكم من صحف المعارضة ، كنا عندما تقوم مظاهرة في إحدى جامعات مصر في أقصى الشمال أو في أقصى الجنوب تخرج معها في اليوم نفسه وربما في نفس الساعة المظاهرات في كافة جامعات مصر ، بل كانت أيضا تستجيب لها جامعات أخرى في بعض الأقطار العربية وتخرج معها ، كيف كان يحدث هذا ؟

في آخر زيارة لي لإحدى الجامعات المصرية لاحظت شيئا غريبا لفت انتباهي كثيرا وأثار لدي تساؤلات عديدة ، لاحظت عدم وجود «كافيتريات» في الجامعة ، وسألت .. فعرفت أن قرارا كان قد صدر منذ عدة أعوام بإلغاء الكافيتريات والاكتفاء ببوفيهات صغيرة تبيع المشروبات والمأكولات للطلبة «على الواقف» ، ولا يوجد مكان لالتقاء الطلبة و تجمعهم خارج قاعات الدراسة للنقاش أو التسامر أو حتى للقاء الأصدقاء العاديين ، ترى من أصدر قرار إغلاق كافيتريات الجامعات .. ولماذا ؟

لقد كانت هذه الكافيتريات من قبل أشبه بالمنتديات الثقافية والسياسية ، يتجمع فيها الطلبة للحوار والنقاش وطرح القضايا ، ومن التجمعات الصغيرة على هذه الكافيتريات كانت تخرج أكبر مظاهرات الطلبة في مصر ، حتى الجماعات الإسلامية عندما ظهرت في مصر في السبعينات في عهد السادات ظهرت داخل الجامعات.

ولم تظهر في المساجد ولا في قاعات الدرس بل على الكافيتريات حتى تكسب المزيد من العناصر والأفراد ، وأكبر مظاهرات شهدتها جامعات مصر عامي ، 1971،1972 انطلقت من كافيتريات جامعات القاهرة و عين شمس والإسكندرية في يوم واحد ، وأيضا مظاهرات 19،18 يناير عام 1977 التي أطلق عليها السادات اسم «انتفاضة الحرامية» خرجت أيضا من كافيتريات الجامعات.

ترى هل إغلاق الكافيتريات في الجامعات قرار سياسي .. أم ماذا ؟

لم تكن الحياة السياسية في الجامعات مجرد مصدر إزعاج وقلق دائم للأنظمة الحاكمة فقط ، بل أحيانا كانت تساعد هذه الأنظمة على اختيار القرار الصحيح أو المناسب ، وبعض الأنظمة الحاكمة «الذكية» كانت تستخدم فاعلية واحتجاجات طلبة الجامعات عندها كورقة ضغط في مفاوضاتها وحواراتها مع القوى الأجنبية لتحصل على امتيازات أفضل ،أو لكي لا تستسلم لمزيد من التنازلات وأحيانا كانت تستخدمها لضرب قوى سياسية أخرى في الداخل ، وقد حدث هذا في مصر وغيرها من الدول العربية أكثر من مرة.

لا يمكن أن نسلم بأن قمع الأنظمة الحاكمة هو السبب الوحيد وراء تخلف الجامعات العربية و تراجع دورها السياسي والاجتماعي ، فقد سبق أن واجهت الجامعات أنظمة أشد قمعا وديكتاتورية ولم تتخلف عن دورها ، ولا شك أن تخلف واختفاء دور الجامعات العربية وغياب أو تغييب طلبة الجامعة عن دورهم السياسي والاجتماعي هو جزء لا يتجزأ من حالة التخلف والتراجع في الشارع السياسي العربي.

ومن ينظر للمسرح السياسي العربي ولأحوال الأحزاب والتيارات السياسية في مجتمعاتنا العربية المعارضة منها والحكومية أيضا يتبين له جيدا أن القضية عامة وأن الوباء متفشي في كافة جوانب الحياة السياسية العربية. أحداث اليونان ليست فقط إنذارا لدول أوروبا بل لكل دول العالم ذات الأنظمة المشابهة ، وتلامذة اليونان وطلبتها لا يختلفون عن غيرهم.

د. مغازي البدراوي