اعتبر احد البرلمانيين العراقيين حذاء منتظر الزيدي، الذي قذفه على الرئيس الأميركي جورج بوش، بأنه «موجه إلى السياسيين العراقيين»، الذين لم يقدموا للمواطن العراقي شيئا ايجابيا يذكر، معبرا في ذلك عن حقيقة لا ينكرها احد، عدا بعض المنتفعين، إلا انه اغفل أمرا مهما، أو تغافله، وهو توقيت الحادث، في لحظة التوقيع الرسمي على الاتفاقية الأمنية بين حكومتي واشنطن وبغداد.

وكتحصيل حاصل، ليس من المتوقع أن يتضامن أولئك السياسيون مع الزيدي، بعد أن ملأوا الدنيا ضجيجا في إبداء معارضتهم للاتفاقية، ثم صادقوا عليها في البرلمان، باستثناء 35 نائبا، وآخرين تغيبوا عن جلسة التصويت، لسبب أو لآخر. بعض السياسيين في العراق.. تحدثوا عن «كرم الضيافة»!، الذي انتهكه الزيدي، بينما تحدثت منظمات وجمعيات مهنية «مدعومة»، عن «أخلاقيات مهنة الصحافة»، مدفوعة الثمن، من دون التطرق إلى جوهر الموضوع، ومحتواه الاحتجاجي.. بالضبط كما تم تمرير الاتفاقية من دون مناقشتها، والانصراف بدلا عن ذلك إلى الجدل حول ما أسموه «وثيقة الإصلاح السياسي».

غير أن الشارع العراقي كان له رأي آخر، حيث اعتبر التعاطف الكبير مع منتظر الزيدي بمثابة استفتاء شعبي على اتفاقية بوش / المالكي، وتعبيرا عن مدى كره الشعب العراقي للاحتلال والمتعاونين معه والمروجين له.

حديث الشارع العراقي

الصحافي الشاب منتظر أصبح حديث الشارع العراقي، والبيت العراقي، منذ مساء الأحد 14 ديسمبر، وما زال، وسيبقى طويلا، طالما هناك من هو مستعد لعمل نصب تذكاري لحذائه الذي رشق به بوش، حسب تعبير الصحافي طالب علي، زميل منتظر في كلية الإعلام، التي تخرج منها قبيل الاحتلال.

يقول طالب: عرفنا منتظر كشخص مولع بالثقافة، وبميوله اليسارية، ما جعله يتخذ موقفا معاديا للاحتلال منذ أيامه الأولى، لكنه لم يعرف عنه انتماءه إلى أي من فصائل المقاومة، حيث كان يقاوم من خلال الحرف والكلمة، وكان ذلك واضحا في كل كتاباته والبرامج التي أعدها لقناة البغدادية، وغيرها من وسائل الإعلام.

ويستغرب الصحافي طالب علي مواقف بعض الجهات التي تدعي الدفاع عن الحريات الصحافية، وانتقادها لما قام به الزيدي من «عمل مشرف»، معتبرة ذلك «سلوكا غير لائق في التعامل مع ضيف»!، ويتساءل: «متى وفي أي زمان كان الاحتلال ضيفا!؟، وهل راعى هذا البوش حرمة الشعب العراقي والدم العراقي!؟».

وحسب العضو السابق في الحزب الشيوعي العراقي، ياسر المظفر، فإن الزيدي معروف بميوله الاشتراكية «الشيوعية»، واقتدائه بشخصية ارنستو تشي جيفارا، إلا أن احد النواب من قياديي الحزب الشيوعي، الذي كان من ضمن المصوتين لصالح الاتفاقية، سرعان ما بادر إلى انتقاد فعل الزيدي، معتبرا إياه تصرفا من قبل شاب مبتدئ وليست له خبرة.

ويضيف المظفر: تناسى هذا القيادي ان أمين عام الحزب الشيوعي سلام عادل، الذي اعدم عام 1963، كان بنفس عمر الزيدي، عندما قاد الحزب، في خمسينات القرن الماضي، بعد إعدام «فهد» عام 1949 ، ثم اعتقال حميد عثمان وبهاء الدين نوري.

ويتابع: كان مع فهد عندما اعتقل اثنان من عائلة الزيدي، هما كاظم خليفة، وزكية خليفة التي كانت في الحادية عشرة من عمرها، وحكم عليها بالسجن عشر سنوات. إلا أن تنكر السياسيين الرسميين لمنتظر، لم يمنع موجة التضامن الواسعة معه، في زمن تستحوذ عليه الطائفية والعرقية على السياسة، وحتى على المقاومة للاحتلال، ما اعتبره الكثيرون، بداية المقاومة الوطنية، المختلفة عن سلوكيات السنوات الماضية.

وما زاد من التعاطف مع منتظر، إن زملاءه يؤكدون أنهم لم يسمعوا منه في يوم من الأيام تعبيرا غير مهذب، أو انه تصرف بخشونة مع احد، حتى انه عندما «اعتقل» من قبل إحدى الجهات الطائفية، لمدة ثلاثة أيام، في أواخر العام الماضي، لم يشأ التحدث عن تلك الجهة، وكيف اختطفته من داره في الباب الشرقي، ثم ألقت به بعد عدة أيام، في وقت حظر التجوال، قرب ساحة النهضة.

مخاوف من التصفية

ويقول سلمان الزيدي، احد أقارب منتظر: إن ما قام به كان عملا بطوليا، ولابد انه فكر قبل القيام به انه قد يقتل على أيدي الحراس الأميركان، أو حراس المسؤولين العراقيين الذين عرفوا بجلافتهم، وما نخشاه الآن انهم قد يقومون بتصفيته حتى لو أطلق سراحه أو حكم بالسجن، لأن من يجلب العدو إلى «داره» لا يؤمن له جانب.

وبعد أن تعرض الشاب منتظر للاعتداء، في قاعة المؤتمر الصحافي، على أيدي الحراس الأمنيين، تضاربت المعلومات عنه وعن مصيره، حيث ذكرت مصادر أمنية عراقية انه موجود في معتقل داخل المنطقة الخضراء، بينما فالت مصادر أخرى انه تم تسليمه إلى الأميركان، في حين رفضت الجهات التحقيقية طلب محامي الدفاع مقابلته، «حرصا على تطبيق الديمقراطية، والقانون»، كما رفضت إطلاق سراحه بكفالة «خشية على حياته»!

إلا أن ما أثار الدهشة هو تصريح مستشار رئيس الوزراء نوري المالكي، المدعو ياسين مجيد العضو المفاوض مع الجانب الأميركي، بان الزيدي بعث رسالة اعتذار خطية إلى المالكي، الأمر الذي كذّبه الزيدي خلال اتصال هاتفي مع شقيقه، وأكد انه غير نادم على ضرب بوش بالحذاء. أما إذا كانت حكومة المالكي تعتبر اهانة بوش اهانة لها، فلتعلن ذلك، ليعتذر لها منتظر، حسب قول شقيقه، وفي هذه العبارة «تورية» عراقية معهودة، تلمح إلى أن بوش هو «السيد» وليس غيره. ويأتي تصريح مستشار المالكي اثر مطالبة محامي الدفاع محاكمة شقيقه حميد مجيد، ومعه مراسل قناة كردستان حسين، بضرب منتظر والاعتداء عليه، في نفس قاعة المؤتمر.

وكان ياسين مجيد المستشار الصحافي للمالكي قال إن «الزيدي حاليا رهن الاعتقال، وسيتم تسليمه للقضاء العراقي لمحاسبته وفق القانون»، مضيفا أن «مراسل قناة البغدادية قام بالاعتداء على شخصية رسمية ضيفة على الحكومة العراقية، وهذا الأمر يحاسب عليه القانون العراقي».

وكالمعتاد في السياسة العراقية الرسمية، اتهام كل معارض للاحتلال بأنه إرهابي وصدامي ومن أتباع النظام السابق، راح البعض يروج لهذا التسويق، الذي يدحضه ما عرف عن الزيدي من مواقف معروفة.

دعاوى الارتباط بنظام صدام

وقد رفض منتظر الزيدي أن يقترن اسمه، وما فعله، بأية صلة من شأنها حتى مجرد الإشارة، إلى وجود ما يربطه بالنظام السابق، الذي كان من معارضيه في الداخل، كونه عرف بين زملائه بأنه من «الشيوعيين الثوريين»، ومن حملة أفكار ومبادئ ارنستو جيفارا.

ومن هذا المنطلق، رفض أن يتولى الدفاع عنه أي محام من أولئك الذين تطوعوا للدفاع عن صدام حسين، وكان سيكتفي بالدفاع عن نفسه، لولا تطوع مئات المحامين العراقيين للدفاع عنه، وتكليف قناة «البغدادية» التي يعمل فيها، نقيب المحامين العراقيين تولي الدفاع عنه ومتابعة قضيته، من اجل الحفاظ على سلامته.

وكشف الناطق باسم مجلس القضاء الأعلى القاضي عبد الستار البيرقدار أن الصحافي منتظر الزيدي رفض توكيل بعض المحامين العرب الذين تطوعوا للدفاع عنه، موضحا: «أن مراسل قناة البغدادية الفضائية الصحافي منتظر الزيدي رفض خلال جلسة التحقيق أمام قاضي محكمة التحقيق المركزية في الكرخ، توكيل المحامين الذين تولوا الدفاع عن صدام حسين، والذين تطوعوا للدفاع عنه». وأضاف الناطق باسم مجلس القضاء الأعلى أن الزيدي «سيحال إلى المحكمة المختصة بعد انتهاء الإجراءات التحقيقية».

ولم يقدم البيرقدار أي تبرير لمنع محامي الدفاع من حضور التحقيق، ما فسره المراقبون بتعرض الزيدي إلى التعذيب الشديد، في بلد شهدت معتقلاته أبشع أنواع التعذيب التي عرفها العالم، وخوف السلطات من كشف الحقائق أمام الرأي العام، ولكي يتسنى لها الكلام كما تشاء هي حول القضية.

وكان الناطق باسم مجلس القضاء الأعلى قال في تصريح سابق إن القضاء العراقي وجه تهمة «الاعتداء على رئيس دولة» إلى الصحافي منتظر الزيدي، مؤكدا أن الأخير «اعترف بالتهمة الموجهة إليه»، وكأنها حدثت في السر، وليس أمام شاشات التلفزيون، التي عرضت المشهد في كل أنحاء العالم. وأوضح البيرقدار أن قاضي محكمة التحقيق المركزية في الكرخ ببغداد قرر إيقاف مراسل قناة البغدادية الفضائية منتظر الزيدي، وفقا للفقرة 3 من المادة 223 من قانون العقوبات، مشيرا إلى أن عقوبة تلك التهمة تتراوح ما بين السجن مدة سبع سنوات إلى 15 سنة في الحد الأقصى.

من جانب آخر، أعلن نقيب المحامين العراقيين ضياء السعدي أن اللجنة التي تشكلت للدفاع عن الصحافي منتظر الزيدي جاءت استجابة لمئات الطلبات التي تقدم بها المحامون في بغداد وبقية المحافظات لتشكيل لجنة للدفاع عن الزيدي، مؤكدا في الوقت نفسه أن قناة البغدادية التي يعمل فيها الزيدي أوكلته بالدفاع عنه.

وقال السعدي «إن لجنة لدفاع عن منتظر الزيدي مستعدة لدفع الكفالة عنه لإطلاق سراحه إلى حين محاكمته»، إلا انه أكد القول «إننا لم نطلع إلى الآن على الأوراق التحقيقية». وعبر السعدي عن اعتقاده بان تصرف مراسل البغدادية جاء في إطار الحرية في التعبير عن رفض الاحتلال العسكري الأميركي للعراق، ولا تترتب عليه أي مسؤولية جزائية»، واستدرك قائلا إن «من الممكن مقاضاته وفقا لقانون العقوبات العراقي المرقم 227 ، والذي ينص على أن كل من أهان رئيس دولة أجنبية يتواجد بصورة قانونية في العراق، يتعرض إلى عقوبة لا تتجاوز السجن لمدة عامين، أو الغرامة المالية بـ 200 دينار عراقي».

وعلى الصعيد الشعبي تواصلت التظاهرات في أنحاء مختلفة من العراق، مؤيدة لمنتظر، ومطالبة بالإفراج عنه، وتلاقت هذه المرة أصوات العراقيين من مختلف الطوائف والفئات، كما حدث في معركة الفلوجة الأولى، ربيع 2004، بعيدة عن أي حس طائفي أو عرقي، بينما لاحظ المراسلون الصحافيون أن شركات الهاتف النقال كانت الأكثر ربحا ماديا في الحادث، حيث تبادل الناس الأحاديث عن الحدث الأشهر في هذه المدة، واجروا اتصالات مع معارفهم في الخارج، واخذ كل واحد يخبر الآخر عما عرضته هذه القناة التلفزيونية أو تلك.. كانت المتابعة للمستجدات والآراء المطروحة لحظة بلحظة.

إضاءة

في منطقة السيدية ببغداد، قالت أنعام محسن السعد، التي وضعت طفلها البكر بعد يوم من الحادث، إنها لا تحبذ الخوض في الأمور السياسية، وكانت قررت أن تسمي وليدها الأول «اسعد»، إلا أنها غيرت رأيها فجأة عندما سمعت بما قام به الصحافي الشاب، وأطلقت على ابنها اسم «منتظر»، تثمينا لشهامة ورجولة منتظر الزيدي.

وأضافت: كم أتمنى أن يصبح ولدي صحافيا، وان تكون له جرأة وشجاعة هذا الشاب، الذي مرغ بحذائه هيبة رئيس اكبر وأقوى دولة في العالم، كما يقولون. وتابعت: لقد شعرت بالاشمئزاز من ذلك الشخص الذي كان إلى جانب بوش، ومد يده ليجعلها دريئة للمعتدي على بلادنا، في محاولة منه لصد الحذاء عن وجه بوش.

عراق أحمد