للثريد طرق كثيرة في الإعداد فهو يضاف إلى اللحم أو «الصالونة» وهناك من يأكله مع القاشع «السمك الصغير» أو اللبن أو الحليب الطازج أو حتى مع السمك المجفف «العوال» وهو في كل حالاته طيب المذاق وله من الفوائد الصحية الكثير نظراً لأنه لا يحتاج إلى ساعات كثيرة للهضم وسهل على المعدة

تجدها تبادر كي تعرض عليك بضاعتها التي حملتها بين يديها طيلة الطريق من بيتها وحتى منطقة سوق السمك في العين وسهرت عليها 4 ساعات في الليلة السابقة، وتتقن فن التسويق دون دراسة أو دورات تدريبية، أم يوسف سيدة عمرها يناهز الخامسة والخمسين عاماً من مواليد سلطنة عمان، إلا أنها طيلة عمرها تسكن بمدينة العين بمنطقة النيادات، لا تكاد تعرف لنفسها تاريخ ميلاد تحديداً لكن ميلادها الحقيقي بدأ منذ أن بدأت تعي قيمة ما تصنعه ويدر عليها العائد الذي تأمله وتتمناه لنفسها وتتمكن به من مد يد العون لأسرتها متى استطاعت ذلك ومتى طلب منها، وجل ما تملكه هو ثقتها في جودة صناعتها والسمعة الطيبة التي اكتسبتها ولما تصنعه يداها من رقاقات الثريد أو الخبز المنزغ وتتقن شرح فوائد الثريد وتصف بجزالة اللفظ وقوته ومدى ماله من فائدة حتى انها تجاوزت ذلك إلى الإقرار بأن لها زبائن حالياً خارج القطر العربي وان إنتاجها قد حط رحاله في واشنطن ونيويورك والعديد من المدن الغربية الأخرى عن طريق بعض الدارسين والسائحين، فلا تكاد تصدق أنك منذ سنوات أو حتى طيلة حياتك لم تأكل ذلك الشيء الذي اصطحبه معهم الكثيرون خارج القطر لتعلقهم بمذاقه فضلاً عن كونه من التراث.

رحلة الثريد تقول أم يوسف.. الثريد أكلة شعبية عربية، لكن لم نسمع من قبل أن بلداً أو قبيلة بعينها هي التي ابتكرت تلك الأكلة، فقد توارثناها كما هي، وأنا أبيع الثريد منذ أكثر من 30 سنة تقريباً ولم أعرف اول من ابتكرها. وبضاعتي بسيطة لكنها ذات جذور وأبعاد تراثية وتاريخية ويهواها الجميع من الذين تربوا على تلك الأكلات الشعبية وعرفوا ما لها من قيمة غذائية، وأنا أبيع السلامكي والحرمل والحناء إلا أن بضاعتي الرئيسية والتي أتميز بها عن غيري بشكل كبير ليس لجودة صنعتي فقط بل لأني أول من باع الثريد بمنطقة السوق في العين منذ عقود مضت وزبائني من كبار الشخصيات في العين وخارجها فهم منذ سنوات يأتون إلي ويقصدون بضاعتي لأنهم على ثقة من جودة ما اقدمه لهم.

مكونات الوجبة وتضيف، بالرغم من أن المكون الرئيسي للثريد هو الدقيق الفاخر وقليل من الملح، إلا أنه يحتفظ بمن يحبونه ويستطيبون طعمه كثيراً، وقد كان يضاف إليه الزعفران فيما مضى فيكسبه طعماً رائعاً، لكن لم يعد يضاف إليه الآن نظراً لارتفاع سعره، وطريقتي في صنعه هي التي تحتفظ لي بزبائني الدائمين منذ سنوات، كما أني أقدم منه نوعين لونا أبيض ولونا داكنا قليلاً وأنا أتحكم في هذه المسألة عن طريق النار، فأنا أزيد النار للثريد الأبيض وأقللها للآخر، ولكلّ نوع زبائنه، وسواء كان هذا أو هذا فأنا أبذل فيهما المجهود نفسه وتلامس يداي الحرارة، وقد اعتدت عليها ولم أعد ألتفت إليها، وأنا أبدأ في صنع الثريد في الليل من بعد صلاة العشاء ولعدة ساعات قد تصل إلى 4 في كل ليلة، لكن مقارنة بما مضى فالوضع أفضل بكثير، حيث كان عدد الساعات أكثر وقد تصل إلى 5 أو 6 ساعات في كل ليلة.

إحياء التراث

وتؤكد أم يوسف على أن أولادها يفخرون بعملها في هذا المجال، وهي لها 6 بنات و4 أبناء وسعيدة بهم بقدر فخرهم بطبيعة عملها، وتقول، لم يعترض أحد أبنائي في يوم من الأيام على عملي وجلوسي في السوق فهم يعلمون كغيرهم أني لست مجرد بائعة فقط، بل في أيام الأعياد الوطنية أحياناً ومهرجانات التراث تتم دعوتي لمدرسة الصاروج الثانوية للبنات لأقدم لهن نموذجا من الأكلات التراثية من باب تدريبهن على إعداد وجبة عربية أصيلة من جهة ومن جهة أخرى إحياءً للتراث كنوع من أنواع التراث العربي الذي قارب أن يندثر في ظل وجود محلات الوجبات الجاهزة والتي تلاقي رواجاً كبيراً بين الكثيرين من الكبار والصغار في مختلف دول الخليج مثلها مثل الكثير من دول العالم.

وتقول أم يوسف، في مواسم الاحتفالات كالنجاح والأعراس وغير ذلك أكون سعيدة جداً حيث لا أجلس طويلاً لأبيع ما بحوزتي من الثريد، ولا يتبقى شيء أبيعه في الغد حيث يباع بكميات كبيرة لأنه يكون الوجبة الرئيسية في الكثير من تلك الاحتفالات. وتضيف، بالرغم من هذا الإقبال والرواج الذي يلاقيه بيع الثريد بين المعروض في السوق، إلا أنه ما يزال يحتفظ بسعره المتدني نسبياً، حيث تباع الواحدة منه بنصف درهم تقريباً، وقبل ذلك كان السعر بما يعادل «فلوسا بسيطة» قرابة الربع درهم، وأنا لا أرفع السعر إلا في المواسم المذكورة نظراً لأنني أحتاج لجهد إضافي لأصنع منه كميات كبيرة تفي بحاجة السوق.

تطورالوجبة

وتضيف، قديماً كنا نصنع الثريد على الحطب أو الفحم وكان ذلك يستغرق جهداً أكبر، حيث ان الطرق كانت تعتبر بدائية مقارنة بما أقوم به الآن، ووجود الغاز وفر علي كثير من الجهد الذي كنت أبذله، وقد كنت أضطر إلى شراء الحطب والفحم بكميات بسيطة حتى لا أضطر إلى تخزينه في بيتي، إلا أن الأمور على الرغم من بدائيتها إلا أنني كنت أدخر أفضل من الآن نظراً لأن الأسعار ارتفعت في كل شيء بداية من سعر الدقيق، حيث كان سعر «جونية» الدقيق قرابة العشرين درهماً، أما الآن فقد تخطت الـ 115 درهما.

وتؤكد أم يوسف أنها أول من باع الثريد في منطقة السوق عندما كان مبنياً بالطوب اللبن وكانت الساحة خالية ولم تكتظ بالمباني المحيطة كما هو الحال الآن، كما أن المسجد المجاور للسوق ايضاً والذي كنت أجلس بجانبه لترويج بضاعتي من الثريد والأشياء الأخرى، كان مبنياً أيضاً بالطوب اللبن، والثريد له أكثر من اسم في أي بلد من البلدان التي تتعامل به وتضعه على موائدها كضيف عزيز وله ثقله بين الوجبات الأخرى، فهو خبز الرقاق وهو العيش المنزغ وهو الثريد وربما كانت له أسماء أخرى أنا لا أعرفها.

أشهر من صنعوه

وتقول ان هناك الكثير من العائلات التي اشتهرت بصنع الثريد وكان الكثيرون يشيدون بجودة ما يصنعون وأنا شخصياً أذكر منهم عائلة الكويتات، والنواصر، والنيادات، وأنا عرفت أنهم ما اشتهروا بطيب طعامهم إلا لمحافظتهم على الجودة، فالتزمت بها وبها حافظت على زبائني طيلة هذه السنوات الماضية، وبمساعدة إحدى بناتي لي بعد أن أصلي الفجر أبدأ يومي وأتحرك إلى السوق لأطرق أبواب الرزق كل يوم مع الثريد.

عماد نصير