سيرحل وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون الذي عاش الأزمة المالية بكل أحداثها المثيرة وشارك في صنعها، وسيأتي تيموثي جيثنر بدلا منه لإنقاذ الولايات المتحدة مما أتت به تلك الأزمة من مصائب يكتوي بنيرانها الآن العالم بأسره.
جيثنر الذي اختاره الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما وزيرا للخزانة، لم يكن بعيدا عن فصول الأزمة.. عاصرها وتعامل معها بحكم أنه كان رئيسا لبنك الاحتياط الاتحادي في نيويورك، وكان أحد الشخصيات الرئيسية التي عملت على إنجاز صفقة إنقاذ شركة التأمين العملاقة «إيه آي جي» وبنك بير ستيرنز، كما كان من المساهمين في صنع القرار الذي أدى إلى انهيار بنك ليمان براذرز الذي تفجرت بسبب إفلاسه الأزمة في كل الأرجاء.
جيثنر يحظى حتى قبل أن يبدأ عمله في العشرين من يناير المقبل ـ بثقة مسبقة وكاملة من أوباما. إذ قال عنه انه سيقدم فهما لا يُضاهى لأزمتنا الاقتصادية الراهنة بكل أعماقها وتعقيداتها». هذه الإشادة من جانب أوباما تعني أن الرجل أهل للمنصب. وهناك إجماع أميركي عليه في الأوساط السياسية سواء أوساط الديمقراطيين أو الجمهوريين، خاصة وأنه لا ينتمي لأي حزب. وربما لذلك ارتفعت أسهم وول ستريت لأكثر من 6% بمجرد أن اختاره أوباما خلفا لبولسون.
جيثنر.. عمره 47 عاما فقط، ورغم صغر سنه لمنصب وزير المالية، إلا أنه يسبقه تاريخا وخبرة متميزة في عالم المال والاقتصاد وإدارة الأزمات. عمل بوزارة الخزانة منذ عام 1988. عاصر ادارات ثلاثة رؤساء أميركيين وخمسة وزراء للخزانة. وبعد عشر سنوات من عمله صار وكيلا لوزارة الخزانة للشؤون الدولية، وخلال توليه هذه المسؤولية «الخارجية»، اكتسب خبرة ومعرفة بالأزمة المالية الآسيوية الكبرى في التسعينات. كما سبق أن انضم الى صندوق النقد الدولي كمدير لشؤون السياسية.
رأس جيثنر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك منذ نوفمبر 2003 ( حتى الآن) ، وهو منصب يجعله عضوا فعالا ضمن 12 عضوا ( محافظا) في مجلس الاحتياطي الفيدرالي البنك المركزي الأميركي ـ فكان حلقة وصل بين المجلس والمؤسسات المالية في حي المال والأعمال بوول ستريت. وبالتالي لعب دورا رئيسيا في اتخاذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الاحتياطي الفيدرالي لمواجهة الأزمة الحالية، وخاصة خطة إنقاذ البنوك.
فبحكم وظيفته، ساعد وزير الخزانة «المغادر» هنري بولسون في صياغة خطة الإنقاذ المالي التي تبلغ قيمتها 700 مليار دولار وهي الخطة التي جعلت الحكومة الأميركية تملك أنصبة وحصصا في البنوك مقابل قيامها ضخ سيولة نقدية إليها. وقد تردد أنه أراد طرح هذه الخطة في وقت مبكر لإنقاذ الانهيارات المصرفية وخاصة بنك ليمان براذرز.
في جعبة جينثر الكثير لمعالجة الأزمة الراهنة منها أنه يسعى إلى دعم الاحتياطي الفيدرالي في خفض الفائدة لانتشال الاقتصاد الأميركي من الركود. كل من عرفوا سيرته المهنية أجمعوا على كفاءته. وكالة فرانس برس وصفته بأنه تكنوقراطي متحفظ وموظف كبير بارع يعرف جيدا كواليس الأسواق المالية ووزارة المالية الأميركية التي سيتولاها بعدما بنى حياته المهنية فيها.
جيثنر.. ستتجه كل الأنظار اليه لمجرد أنه بحكم منصبه عليه أن يعمل على تجاوز الأزمة وإخراج بلاده من مصائبها الاقتصادية، وربما إن نجح ينعكس نجاحه على العالم بأسره.
شؤون المال والاقتصاد لن تكون كلها بين يديه وحده. فالفريق الاقتصادي الذي اختاره أوباما يضم داهية اقتصاديا آخر هو لورنس سمرز وزير الخزانة في عهد الرئيس كلينتون ورئيس جامعة هافارد.
اختاره أوباما ليكون رئيس المجلس الاقتصادي للبيت الأبيض وهذا يعني أنه المستشار الاقتصادي الأول للرئيس. سيكون عليه دور فعال في رسم السياسات المالية والضريبية ، وسيكون لزاما عليه التنسيق مع جيثنر، وهذا أمر متوقع إلى أبعد الحدود. فالاثنان تجمعهما زمالة قديمة وقوية منذ أن عملا في إدارة كلينتون، وأوساط وول ستريت ترحب بوجودهما وتأمل أن ينجحا في التعجيل بتجاوز الأزمة.
إضاءة
ولد تيموثي جيثنر في نيويورك عام 1961. درس في جامعة دارتماوث في هانوفر بولاية نيوهامشر، إحدى اعرق جامعات الولايات المتحدة. من عشاق الحضارات الآسيوية ودرس اللغتين الصينية واليابانية وعاش جزءا كبيرا من طفولته في الخارج خصوصا في زيمبابوي والهند وتايلاند حيث عمل والده لحساب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو اس ايد) ومؤسسة فورد المنظمة غير الحكومية للمساعدة على التنمية.
وقبل الدخول إلى وزارة الخزانة، بدأ حياته المهنية في شركة الاستشارات التي أسسها وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.
حسن صابر