شغل مستقبل منطقة الشرق الأوسط حيزاً ملحوظاً في التقرير الذي أصدره مجلس الاستخبارات القومي الأميركي مؤخراً بعنوان «الاتجاهات العالمية عام 2025: عالم متحول» جاء فيه وصف للعوامل المرجح أن تشكل الأحداث في العالم في المستقبل، وليس التوقعات بشأن المستقبل، كما جاء فيه تحديده للقوى الرئيسية المحركة التي يمكن أن تشكل النظام العالمي.

وقد كان لمنطقة الشرق الأوسط حيز واضح في معظم العوامل التي تطرق إليها التقرير، ومنها التغيير الديموغرافي أو النمو السكاني. والطاقة والإرهاب والموارد الطبيعية وأولها الماء والغذاء والسباق للتسلح النووي، والنمو الاقتصادي، واحتمالات النزاع الإقليمي أو المحلي. وكان أكثر ما لفت الانتباه لمستقبل المنطقة ما قاله توماس فنغار، رئيس مجلس الاستخبارات القومي الأميركي عشية نشر التقرير، في ندوة في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»: «إن منطقة الشرق الأوسط تقع في مركز قوس عدم الاستقرار. إذا نظرنا للعالم بشكل شامل، فالشرق الأوسط، من المغرب إلى آسيا الوسطى، منطقة فيها أكبر عدد من المشاكل تقريباً، وتعد الأكثر خطراً وتعقيداً، تشكل تحدياً للقيادات السياسية أكثر من أي مكان في العالم، وإن أسوأ الاحتمالات في المنطقة يتوقف على نوع القادة الذين سيظهرون على المسرح السياسي والطريقة التي سيستجيبون بها لمصالح الشعوب».

وقال: «إنها تحديات معقدة ومركبة، مترابطة، يؤثر الواحد منها في الآخر، مما يزيدها تعقيداً وخطورة، أمام القادة السياسيين في المستقبل». وأول التحديات، المشاكل، ذلك المتمثل في النمو السكاني في المنطقة، فحسب التقرير سيزداد عدد سكان العالم مع حلول عام 2025، 4,1 مليار شخص. سيكون ثلاثة في المئة منهم في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والعالم الصناعي المتقدم، بينما سيكون نصيب الشرق الأوسط وجنوب الصحراء الإفريقية الكبرى، وأميركا الوسطى وآسيا الوسطى 97%، لمنطقة الشرق الأوسط النصيب الأوفر منها. وسيشكل هذا النمو في عدد سكان المنطقة أبرز التحديات وأهمها لقادة المنطقة وحكوماتها ومنظماتها، ومما سيزيد المشكلة تعقيداً، أن الزيادة ستتمثل في ازدياد أعداد الجيل الطالع (أقل من عشرين سنة)، وما يترتب على ذلك من تداعيات وتحديات للسلطات، وازدياد المطالب على النظام السياسي. خصوصاً وأن الأجيال الجديدة، في عالم اليوم وبحلول 2025، وحيث وسائل الاتصال والمعرفة، لن يكون لها حدود، ستكون على علم ومعرفة بما يجري في العالم، وسيطالبون حكوماتهم بدور أكبر في الحياة السياسية، وستصبح الأجيال الجديدة أكثر إلحاحاً وإصراراً على تلبية متطلبات الحياة، وستصبح أكثر إلحاحاً على مساءلة الحكومات، حتى لو كانت ديكتاتورية مستبدة، ولن تكتفي هذه الأجيال، بالمطلب الراهن وهو تركها وشأنها، وعدم التدخل في حياتها.

وأشار التقرير، إلى أن القادة الأكثر حكمة في مواجهة هذا التحدي ـ المشكلة، سيسارعون إلى المبادرة، بعدم تجاهل هذا العامل، الذي سيلعب دوراً مهماً في تشكيل مستقبل المنطقة، بل أخذه باهتمام كبير، والمبادرة بتنويع مصادر الدخل القومي، وليس الاعتماد على مصدر وحيد، كالنفط على سبيل المثال، وتوفير فرص العمل، وهذا يتطلب بدوره نظاماً تعليمياً يعد الأجيال الطالعة لمواجهة المتطلبات والتحديات المستجدة، وليس التركيز على التعليم النظري والعلوم الإنسانية، بل إن يعطى التركيز للعلوم التطبيقية وإعداد الأجيال الطالعة، لتصبح أكثر إنتاجاً وفاعلية وتأثيراً.

وأوضح التقرير، أن النمو السكاني، ليس مشكلة بشكل مطلق، كما قد يتبادر للذهن. بل إن للزيادة السكانية جوانب إيجابية، إذا أُحسن استخدامها، إذ يمكن إعداد هذه الأجيال لتكون قوة عمل محركة «تحرك المنطقة وتنقلها من الاعتماد الكبير على البترول والغاز، ويمكن لهذه القوة الجديدة من الأجيال الجديدة، إطلاق حركة ونهضة صناعية، كما حدث في كوريا الجنوبية وتايوان». ويعود التقرير ليؤكد على الأهمية القصوى لعملية التدريب والتعليم والإعداد، التي لا بد منها لتصبح الأجيال الجديدة قوة محركة وفعالة في تشكيل مستقبل المنطقة».

وفي سياق عامل النمو السكاني، أشار التقرير إلى أن المسلمين في أوروبا الغربية، الذين ينتمون في أغلبيتهم الساحقة، إلى منطقة الشرق الأوسط التي تقع في «مركز عدم الاستقرار»، سيبلغ عددهم بحلول عام 2025 بين 25 إلى 30 مليون شخص، نسبة إلى عددهم البالغ الآن ما بين 15 إلى 18 مليون شخص. وما قد يترتب على ذلك من أحداث، مثل أعمال الشغب والعنف التي شهدتها بعض ضواحي باريس عام 2005.

وإذا ينتقل التقرير إلى عامل الإرهاب، فإن لمنطقة الشرق الأوسط، الحظ الأوفر مما جاء في التقرير، فبرغم أن الإرهاب حسب النهج الذي يتبعه تنظيم «القاعدة» سيتضاءل في الشرق الأوسط، فإن الإرهاب، وفقاً للتقرير، سيظل الشاغل الرئيسي للعالم، ولكن «جاذبيته بالنسبة للشباب في منطقة الشرق الأوسط قد تدنت، وستستمر في الانخفاض، خصوصاً إذا انخفضت نسبة البطالة».

وأوضح فنغار ذلك بقوله: «إن جاذبية «القاعدة» التي كانت تستهوي الشباب، تتضاءل تدريجياً، لأن هذا التنظيم يرفض الحداثة والديمقراطية والتجديد، وهي ظواهر مرغوبة لدى الشباب في كافة أنحاء العالم، وليس منطقة الشرق الأوسط فحسب».

وأشار التقرير إلى أن الأهداف الاستراتيجية للإرهاب وتنظيم «القاعدة» فشلت على جبهتين، الأولى: الأهداف ضد النظام السياسي القائم، كحل للمشاكل، والثانية: الفشل في إقامة نظام «خلافة إسلامية» مما استدعى إجراءات صارمة ضد الإرهاب والإرهابيين الذين يشكلون تهديداً للحكومات الإسلامية القائمة، ولأن الأغلبية الساحقة من المسلمين تعتقد بعدم واقعية قيام نظام «خلافة إسلامية» أو أنها ستكون قادرة على حل المشاكل.

ولأنه «ليس هناك إلا شعور ضئيل جداً بالتعاطف مع «القاعدة» حسب دراسة مسحية تحليلية في: «الجزائر ومصر والأردن والكويت ولبنان والمغرب وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة واليمن». ولأن قتل المسلمين والمدنيين الأبرياء عبر هجمات «القاعدة» نفر الناس إلى حد الكراهية لهذا التنظيم.

ومع ذلك، قال التقرير إن الإرهاب سيستمر خلال الأربعين سنة المقبلة، على شكل موجات إرهابية، مثلما نشهد في بغداد الآن، وستنتهي كل موجة بنهاية المجموعات الإرهابية وراءها. وان تنظيم القاعدة، سينتهي بشكل أسرع مما يتوقعه كثيرون، نظراً لاستمرار ضعفه «القاعدة» وعدم واقعية تحقيق أهدافه، ولتدني جاذبيته.

وقال التقرير: «ان 6% من المجموعات والتنظيمات الإرهابية الموجودة الآن، هي التي ستظل تنشط خلال الأربعين عاما المقبلة».

ولمنطقة الشرق الأوسط أيضا النصيب الأوفر فيما يتعلق بعامل الطاقة، وأهم مكوناته البترول والغاز، وما يتوقع بالنسبة لمصادر بديلة نظيفة واقتصادية، لتلبية الحاجة إليه، والتي ستتعاظم بحلول عام 2025، وفي ذلك قال التقرير «إن العالم في عام 2025 سيكون في منتصف مرحلة انتقالية مهمة بالنسبة للطاقة. وإن منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج تحديداً، ستظل مصدراً أساسياً للنفط والغاز، وستظل محل اهتمام العالم بها وأشار التقرير إلى مشكلة عدم قدرة تلبية الإنتاج للطلب، مما يحتمل معه حدوث نزاع مرير على مصادر الطاقة.

وقال التقرير ان العالم في «مرحلة ما بعد النفط» التي يعتقد التقرير أنها ستكون بحلول عام 2025 سيواجه متغيرات جديدة حيث من المرجح أن يحصل اختراق تكنولوجي لتوفير مصدر أو مصادر بديلة للنفط والغاز، وسواء تم الانجاز أو الاختراق في عام 2025 أو بعده، فان التطبيق لاستخدام البدائل سيستغرق وقتا أطول.

وأشار التقرير إلى تدني إنتاج الدول غير الأعضاء في الأوبك من البترول، ومنها سوريا ومصر وتونس، وهو سائر إلى حد التوقف، وقال التقرير، انه ومهما كانت النتائج سواء على صعيد القدرة على الاستمرار في مستويات إنتاج البترول، أو على صعيد إيجاد البدائل نتيجة إنجازات تكنولوجية..

ورغم كل الظروف واحتمالات المستقبل، فإن «ست دول فقط، وهي: السعودية، الإمارات، والعراق «كاحتمال» والكويت، وإيران، وروسيا، ستنتج 39% من نفط العالم بحلول عام 2025، وإن الدول الرئيسية المنتجة تقع في منطقة الشرق الأوسط، حيث لديها ثلثي الاحتياطي المعروف من النفط في العالم. وإن إنتاج دول الخليج سيزداد حوالي 43% خلال الفترة من 2003 إلى 2025، وإن السعودية، ستنتج نصف ما تنتجه دول الخليج تقريبا، وهي كمية أكبر بكثير ما تنتجه إفريقيا، ومنطقة بحر قزوين».

وأشار التقرير إلى ما تحتله وستحتله هذه المنطقة من أهمية على الصعيد العالمي، وقال التقرير ان هذه الدول الست، ستكون الرابحة، مهما كانت نتائج الانجازات التكنولوجية على صعيد توفير بدائل لمصدر الطاقة.

ولا تقل أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للعوامل التي وردت في التقرير، وقال انها من المرجح أن تشكل الأحداث في المستقبل، مثل المياه وشحها والغذاء وتناقصه، فقال: ان منطقة الشرق الأوسط، مثل غيرها من مناطق العالم، بل أكثر من غيرها، ستواجه تدنيا في مصادر المياه، سواء للشرب أو الري، فلا تعود تكفي لتلبية الطلب على هذا المصدر الحيوي للحياة، وقد يحتدم التنافس والصراع عليه. وقد يؤدي إلى نزاعات إقليمية.

وعندما يتناول التقرير عامل السلاح النووي، فلهذا العامل مكانة في التقرير بالنسبة للشرق الأوسط، فرغم أن التقرير يعتقد بأن خطر استخدام السلاح النووي، في العالم بأسره، لايزال ضئيلا، فمن المرجح أن يزداد خطره في المستقبل. خصوصاً إذا تمكنت إيران من تصنيع وامتلاك السلاح النووي.

وإذا حصل ذلك، فيصبح خطر إيران المسلحة نوويا مصدر قلق للدول الأخرى «مما سيدفع تلك الدول لتطوير إجراءات جديدة لضمان الأمن بما في ذلك حصولها هي أيضا على السلاح النووي، أو انضمامها إلى مظلة نووية مع دول أخرى، وهذا قد يؤدي إلى تصعيد ونزاع أوسع، إذا تم تجاوز الخطوط الحمر من قبل الدول المعنية.

وقال التقرير: «ان تغييراً جيوسياسيا مهما قد يحصل نتيجة سعي بعض الدول للتحالف مع قوى نووية، ودول أخرى تدفع نحو نزع سلاح نووي على الصعيد العالمي». ويعتقد التقرير أن إيران المسلحة نوويا، سيجعل المنطقة أكثر خطراً، مما كان عليه الوضع خلال الحرب الباردة، وأن «إيران النووية» ستؤدي إلى تغيير جوهري في ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وستشكل مصدر قلق بالغ للدول العربية في المنطقة. وان سعي إيران لامتلاك السلاح النووي، ومنذ الآن، أطلق وإن جزئيا زيادة الاهتمام بالطاقة النووية في الشرق الأوسط، مما يؤجج القلق من احتمال الدخول في سباق للتسلح النووي.

تبقى الإشارة، إلى أنه ما من عامل من العوامل المرجح أن تشكل الأحداث في المستقبل، إلا ولمنطقة الشرق الأوسط علاقة به، مباشرة أو بشكل غير مباشر، مما يؤكد أنها ستظل محل اهتمام اقليمي وعالمي، ومنطقة لجذب القوى العالمية نحو النزاع حولها أو نحو الاستثمار والتنافس البناء فيها.

وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ستجد إدارة الرئيس المنتخب باراك أوباما، بان عليها اعطاء قضايا المنطقة أولوية واهتماما منذ اليوم الأول لتسلم الرئيس الجديد الرئاسة، سواد تلك المتعلقة بالعراق أو بالطاقة أو بالصراع العربي ـ الإسرائيلي أو بإيران وبرنامجها النووي، أو بالإرهاب.

إضاءة

استعان واضعو التقرير بأفضل التحليلات الاستراتيجية في الولايات المتحدة ودول العالم، كما استعانوا، مثلما قال فنغار، بمئات الخبراء والمتخصصين، ومنهم خبراء تابعون لمعاهد ومراكز ابحاث دولة مرموقة في واشنطن ولندن واستوكهولم وبكين.

وقال فينغار أن مجلس الاستخبارات القومي الأميركي ارتأى أن يتزامن صدور التقرير، في هذه الفترة الرئاسية الانتقالية، على أمل أن يكون مصدراً تستفيد منه الإدارة المقبلة للرئيس المنتخب باراك أوباما، لرسم وصياغة سياساتها ومواقفها المستقبلية. وكذلك ليوفر التقرير فرصة لأعضاء فريق الإدارة الجديدة التفكير في مسؤولياتها في سياق عالمي واسع. وكذلك يهدف التقرير، حسب فينغار أيضا إلى اعطاء القادة الجدد والمستقبلين مؤشرات واحتمالات مفيدة.

لأنه «عندما تكون لديهم فكرة عن الكيفية المحتمل أن تكون عليها الأحداث في المستقبل، وما هي الأحداث الأكثر، تأثيرا ونفوذاً، عندئذ سيكون لديهم استعداد أفضل لمواجهة الأحداث والتطورات السلبية والتخفيف من تداعياتها ونتائجها.

محمد صادق