إلى جانب بقايا مدينة شالة الرومانية وصومعة حسان التي يجاورها منذ نصف قرن ضريح العاهل المغربي الراحل محمد الخامس، تمثل قصبة الاوداية أبرز المآثر التاريخية في الرباط، فهي بوابة العاصمة المغربية التي تحتل مكانتها المهيبة في عمق المدينة العتيقة. ومن خلال أسوارها الحصينة يطل الزائر على مدينة سلا التاريخية ويرقب في الوقت نفسه أمواج المحيط الأطلسي تتدافع هادرة في مشهد مهيب يتكرر كل يوم تقريبا ولا يختفي إلا حين تختفي الشمس بين زرقة السماء وزرقة المحيط.

وعادة ما يقضي الزائر فسحة النهار متجولا في حديقة القصبة ذات الطابع الأندلسي، أو في مقاهيها التقليدية التي تعج يوميا بمجموعات سياحية قادمة من مختلف الأصقاع لاحتساء الشاي الأخضر بالنعناع وقد جرى تحضيره على الطريقة المغربية المعروفة باسم «الزيزوا».

أما من يفضل زيارة متحفها فسيكون أمام خزين ثري من الخزف ومختارات بديعة من الأزياء القديمة والمجوهرات والزرابي والآلات الموسيقية.

هذا الموقع الذي يختزل تاريخ المغرب، حيث تتجاور فيه آثار الدول التي حكمت البلاد خلال القرون العشرة الماضية، أصبح مكانا مفضلا لصفوة من الأعيان والفنانين، كما بات مسرحا تقام عليه المهرجانات الفنية مثل مهرجان «جاز الأوداية» الذي ينظم سنويا داخل أسواره الشاهقة بمشاركة أشهر فرق الجاز في العالم.

من حصن الى قاعدة

كانت قصبة الأوداية في البداية عبارة عن حصن يسمى رباط بني تارغة، شيد على قمة هضبة تطل على وادي أبي رقراق. ويقول باحثون أن تاريخها المكتوب يبدأ في منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، عندما اختارها سلاطين دولة المرابطين نظرا لموقعها المتميز بين مراكش، العاصمة آنذاك، وبين ديار الأندلس التي هبوا لحمايتها، فغدت قاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش إلى أسبانيا، وهو نفس التوجه الذي اعتمده سلاطين دولة الموحدين الذين أولوها عناية كبيرة، حيث شيد بها السلطان عبد المؤمن الموحدي قصرا خاصا ومسجدا ومباني للجنود.

وقام يعقوب المنصور بتوسيع أركان القصبة ليجعل منها أقوى حصون المغرب، حين اختار الموقع المجاور لها ليبني عليه رباط الفتح، التي اتخذها عاصمة لملكه، غير أن تنازع أبنائه بعد وفاته أضعف شوكتهم، فهاجمتهم قوات الدولة المرينية الصاعدة، ومحت أثرهم، حتى ظلت القصبة خالية إلا من النوارس.

ولما وصل النازحون المطرودون من الأندلس عام 1609، على عهد الملك الأسباني فيليب الثاني، وجدوا القصبة بدون سكان فاستوطنوها، وهذا ما يفسر الأسماء الموريسكية التي تحملها أزقة القصبة، من قبيل بيرو وبلامينو وتريدانو. وتظهر بصمات الأندلسيين النازحين واضحة في فنون المعمار، وأنواع الزخرفة، وتزيين واجهات المساكن، والاعتناء بأغراس النوافذ.

ومن هذه القصبة شن الأندلسيون هجماتهم البحرية الانتقامية ضد الأوروبيين، لاسيما الأسبان نتيجة ما لحق بهم من أذى وضروب التنكيل، وبذلك اعتبرت الاوداية من أبرز إنجازات المسلمين المطرودين من شبه الجزيرة الأيبيرية، الذين وجدوا في الرباط وسلا ملجأ لهم بفضل رعاية سلاطين المغرب.

وحظيت القصبة باهتمام سلاطين الدولة العلوية الحاكمة حاليا، خاصة في عهد مولاي عبد الرحمن الذي شيد بابها الكبير، واستقدم جندا من قبائل الأوداية المجاورة لمراكش لحماية مدينة الرباط، وأسكن قائدهم في هذه القصبة التاريخية، فأصبحت منذ ذلك الوقت تسمى قصبة الأوداية.

عمارة أندلسية

تتميز جدران القصبة بالقوة والصلابة، حيث تم بناؤها بالحجر السميك، وهي مطلية بالطين، وأبوابها كبيرة الحجم تعلو إطارها زخارف ونقوش غاية في الجمال، وتتخلل الأبراج الملتحمة بجدران القصبة نوافذ صغيرة الحجم تبرز منها فوهات مدافع حربية ما يدل على الدور الذي لعبته في الدفاع عن الرباط، فقد نشر في أسوارها 68 مدفعا، كما أعدت بداخلها خزائن بارود تؤمن حاجة المتحصنين بها مدة ثلاث سنوات. وقد أضيفت للقصبة خلال القرن السابع عشر ملوِّحة ومستودعات وبرجا دفاعيا يعرف بـ «برج القراصنة» كانت مدافعه مصوبة نحو كل من نهر أبي رقراق ومدينة سلا.

وتظهر القصبة اليوم بهندستها الشبيهة بالعمارة الأندلسية، وخاصة سورها المعلّق فوق صخور الشاطئ، وتقود أبوابها المشرعة على جهة المحيط إلى ممرات مكونة من فتحتين يحميهما باب من خشب الأرز المسلح بالحديد والمزخرف بمسامير حديدية. أما أبواب الاوداية الرئيسية، فهي مزخرفة بنقوش عربية وكتابات كوفية بديعة، تعطي المبنى منظراً رائعا، وتجعل منه معلما متميزا.

وتتألف قصبة الأوداية حالياً من جزء علوي أسسه الموحدون، ومن جزء سفلي أسسه العلويون. وقد بني السور الموحدي، الذي يحيط بالقصبة والبالغ عرضه 50 .2 متر وارتفاعه من 8 إلى 10 أمتار، بالحجر الدبش، وتحاذيه ساحة عامة مائلة، أما الباب الكبير العالي فقد بني فوق تلة ليشرف على المدينة.

كشوفات وآثار

يدخل الزائر إلى القصبة من ثلاثة أبواب أكبرها الباب الأثري المؤدي إلى سوق الغزل والثاني الواقع بين الباب الأول والبرج، ويبدو أنه حديث العهد يرجع تاريخه إلى العصر العلوي، بينما يقوم الباب الثالث العتيق قبالة الجهة الشمالية الشرقية للمتحف. أما الباب الكبير فهو ضخم يبلغ طوله 60 .38 مترا وعرضه 16 مترا، ويتراوح علوه بين 12 و13 مترا، وتحتوي طبقته الأرضية على ثلاث قاعات متداخلة وعلى طبقة أولى تحوي خمسة ممرات فوقها سطح يطل على مجموع القصبة.

ويؤكد المؤرخ الفرنسي هنري تيراس أن هذه البوابة أضيفت إلى القصبة التي بناها الخليفة عبد المؤمن في زمن حفيده أبي يوسف يعقوب المنصور شأنها في ذلك شأن كل أبواب مدينة الرباط نفسها. وتتخذ هذه البوابة الرئيسية للقصبة بضخامتها مظهر البوابات العسكرية المنيعة.

في العام الماضي، أنيط بمجموعة «بزاروتي ألبي.دو. كو» الإيطالية تنفيذ مشروع بناء نفق الأوداية الذي يستهدف تجاوز مشكلة حركة السير على طريق المرسى والتي تصل في المعدل إلى 30 ألف سيارة في اليوم، كما يتوخى إعادة التواصل التاريخي بين المدينة القديمة والأوداية وبالتالي الحفاظ على الموقع التاريخي وقيمته السياحية، ومن المنتظر أن تنطلق حركة المرور بالنفق خلال عام 2010.

وهذا المشروع واحد من عدة مشاريع الغاية منها حماية قصبة الأوداية، خصوصا وان عمليات التنقيب الجارية في المنطقة أسفرت عن اكتشافات أثرية جديدة يعود تاريخها إلى العهد المرابطي، ومن بينها موقع تاشفين بن علي المرابطي وبرجان وباب يشكل مدخلا إلى الرباط وممر يربط بين المدينة القديمة والشاطئ الساحلي للعاصمة.

إضاءة

تظهر القصبة اليوم بهندستها الشبيهة بالعمارة الأندلسية، وخاصة سورها المعلّق فوق صخور الشاطئ، وتقود أبوابها المشرعة على جهة المحيط إلى ممرات مكونة من فتحتين يحميهما باب من خشب الأرز المسلح بالحديد والمزخرف بمسامير حديدية. أما أبواب الاوداية الرئيسية، فهي مزخرفة بنقوش عربية وكتابات كوفية بديعة، تعطي المبنى منظراً رائعا، وتجعل منه معلما متميزا.

رضا الأعرجي