بحلول يناير المقبل تكون قد مرت ثلاث سنوات على فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وتوليها الحكومة الفلسطينية، منها نحو عام ونصف العام سيطرت فيها بمفردها على مقدرات الأمور في غزة إثر الاقتتال بينها وبين «فتح» والذي أنهى حالة الوفاق الهش بين الفصيلين الفلسطينيين، بما دخل بالقضية الفلسطينية مرحلة جديدة يمكن وصفها بصراع الرأسين.. «حماس» في غزة وفتح في الضفة.. وهى مرحلة كان الصراع الفلسطيني الفلسطيني سمتها الأساسية على نحو يهدد باندثار القضية ويغير ملمحها الأساسي من صراع في مواجهة احتلال إلى صراع داخلي بين فئات متناحرة.

وقد اعتبر الكثيرون ذلك الأمر انعكاس سلبيا لفوز حماس على مسار القضية الفلسطينية، غير أن الحكم على ما آلت إليه الأوضاع على هذا النحو قد يكون قاصرا ولا يعبر عن حقيقة الأشياء رغم أنه في جوهره قد يكون صحيحا. فالتدهور المشار إليه، لا يرجع بالأساس إلى سياسات ومواقف حماس وإنما إلى البيئة الدولية والإقليمية والداخلية التي وجدت نفسها فيها والتي كانت تدفع إلى إفشالها ووأد مشروعها السياسي. لا ينفي ذلك وجود أخطاء هنا أو هناك على صعيد إدارة حماس لتفاعلاتها سواء الداخلية أم الخارجية، غير أن ذلك يبقى هو المتغير التابع وليس المستقل الذي يلقي بتأثيره لجهة تحديد مسار القضية الفلسطينية وفي طيات هذا المسار تأتي التفاصيل الكبرى والصغرى التي يتناوش عليها الفصيلين الكبيرين ويدور في فلكهما بقية الفصائل الفلسطينية الأخرى.

جردة حساب

وسنحاول في هذه السطور تقديم ما يمكن اعتباره جردة حساب تتعلق بالمناخ الذي واجهته القضية الفلسطينية خلال فترة السنوات الثلاث التي كانت حماس المتغير الجديد خلالها. فعلى الصعيد الإسرائيلي ورغم إشارة البعض إلى ما يعتبرونه دورا لتل أبيب في نشأة حماس، فإن فوز الحركة ووصولها إلى السلطة لم يلق أي ترحيب وهو ما انعكس في مجموعة من السياسات والمواقف العدائية التي استهدفت بشكل أساسي شغل حماس بصراعات جانبية تستنزف طاقتها وعلى نحو يصب في صالح التسويف الإسرائيلي على صعيد تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وعزز من هذه السياسة موقف الولايات المتحدة التي راحت تؤكد على اعتبار الحركة منظمة إرهابية رافضة التعامل معها من هذا المنطلق وهو ما استتبعه حصار دبلوماسي دولي كان من شأنه نزع صفة المشروعية عن حكومة شرعية وصلت إلى السلطة بإرادة شعبية، ما كان يتناقض مع الطروحات الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص المتعلقة بدعاوي الترويج للديمقراطية.

وإذا كانت تلك المواقف تأتي منسجمة مع السياسات الإسرائيلية والأميركية الهادفة إلى وأد القضية الفلسطينية أو الحد من سقف التسوية الذي يسعى الفلسطينيون إلى تحقيقه من خلالها، فإن التساؤل يدور حول الموقف العربي وحدود دوره إيجابيا أم سلبيا على مسار الأوضاع الداخلية الفلسطينية وكذا على صعيد التسوية ككل.

مثلت مجمل السياسات العربية خلال السنوات التي تولت فيها حماس السلطة سواء على نحو شرعي أو على نحو افتقد المشروعية في نظر الفاعلين الدوليين والإقليميين عبئا على القضية الفلسطينية على نحو ألقى بتأثيرات لا تختلف كثيرا عن تلك التي نجمت عن الصراع بين الفرقاء الفلسطينيين، إن لم تكن تدعمها. حيث أدت المواقف العربية إلى دخول حماس أتون حالة الاستقطاب التي يحياها النظام السياسي العربي على نحو فاقم من التأثيرات السلبية التي تعايشها القضية الفلسطينية.

وهنا تتداخل المواقف على نحو يصعب معه الفصل فيما بينها بما يجعلنا نشير إلى مسؤولية الجميع عربيا - عما آل إليه الموقف الفلسطيني الحالي والذي قد ينتهي للأسف بتكريس حالة الانفصال الفعلي مستقبلا بين قطاع غزة والضفة الغربية، على نحو يعيق الحديث عن دولة فلسطينية حتى ولو بالمفهوم الذي طرح في سياق عروض إسرائيلية أو أميركية.

تفكك مثلث الفعالية العربية

يقتضي الحديث منا هنا الإشارة إلى مواقف ثلاثة أطراف عربية فاعلة وهى مصر والسعودية وسوريا، فالمتتبع لمسار العلاقات العربية العربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة يلمس أنه على خلفية مواقف وارتباطات دولية وإقليمية محددة انتهى الأمر إلى تفكك مثلث العلاقات المصرية السعودية السورية، ليتحول إلى نوع من المواجهة الملموسة أحيانا والخفية أحيانا أخرى بين القاهرة والرياض من ناحية ودمشق من ناحية ثانية، الأمر الذي انتهى في إحدى مراحله إلى دخول حماس على الخط، على نحو جرى معه تصنيفها باعتبارها تدخل في إطار السياسة السورية وهو ما عززه ارتباطات حماس السياسية مع طهران، ما كان يدخلها في عداد المحور السوري الإيراني الذي يندرج في إطاره حزب الله.

كان من تأثيرات هذا التحول حدوث تغير في نبرة تعاطي القاهرة والرياض مع حماس، رغم مساعي العاصمتين في مراحل مبكرة احتواء الحركة على خلفية الأهداف التي تمثل الحد الأدنى من التوافق الفلسطيني. وهو تغير ساعد عليه التحفظات الأساسية لدى العاصمتين خاصة القاهرة على نهج حماس الأصلي الذي يقوم على ما يسوقه البعض باعتباره نموذج التشدد الإسلامي الذي يقوم على المقاومة المسلحة والتعاطي التصادمي مع رؤى الولايات المتحدة لأوضاع المنطقة.

لعل من بين ما يؤكد ما نشير إليه من دور مصري يمكن توصيفه بأنه فعال في مراحل مبكرة من وصول حماس للسلطة مساعي التقريب بينها وبين فتح، فضلا عن محاولة التوصل في مرحلة لاحقة إلى هدنة بين الكيان الإسرائيلي وحماس، إثر انفراد حماس بمقدرات غزة وبدء عمليات إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وهو الوضع الذي تتذرع إسرائيل بكونه السبب الرئيس في حالة الحصار بالغ القسوة الذي تفرضه على غزة في الوقت الحاضر.

واذا كانت علاقات حماس والقاهرة شهدت ما يمكن توصيفه بأزمتين رئيسيتين، هما أزمة معبر رفح وأزمة إلغاء الحوار نوفمبر الماضي، فقد سعت القاهرة إلى احتواء تأثير الأزمة الأولى على نحو لا يصل إلى حد القطيعة مع حماس، بما لا يفقدها القدرة على التأثير على تطورات الأحداث الفلسطينية خاصة لجهة ما كشفت عنه الأزمة من حقيقة أن الأوضاع على الحدود مع الجوار الفلسطيني يمكن أن تلقي بتأثيرات كارثية على الأمن القومي المصري.

حساسيات القاهرة

غير أن القاهرة لم تستطع تمرير موقف حماس المتعلق بتأجيل الحوار على خلفية دعاوي بشان معتقلي الحركة لدى السلطة في الضفة، الأمر الذي رأت فيه مؤشرا على ارتهان إرادة حماس بمواقف قوى إقليمية لم تسمها يقصد بها في الأساس سوريا وإيران، وهو ما كان له بلا شك تأثيره على موقفها بالسلب تجاه حماس. وعزز هذا التوجه قلق القاهرة الأساسي من وجود ما يسميه بعض المحللين المصريين «إمارة إسلامية» في غزة على الحدود مع مصر.

يكاد الموقف ذاته يتكرر على الصعيد السعودي، حيث استقبلت الرياض حماس دون ما يمكن اعتباره مواقف مسبقة، الأمر الذي انعكس في محاولة التزامها جانب الحياد من الأطراف المنغمسة في الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني، وفي الوقت ذاته العمل على وقف هذا الاقتتال، الأمر الذي انعكس في مبادرة خادم الحرمين والتي توجت في شكل اتفاق مكة والذي أمل الكثيرون أن يكون بداية مصالحة حقيقية بين الفرقاء الفلسطينيين.

ونشير هنا إلى ما ذكرته مصادر أميركية من أن هذا الموقف السعودي جاء على نقيض مواقف إدارة بوش التي كانت تسعى إلى تعميق الفجوة بين حماس وفتح، وهو ما ألقى بتأثيراته، حسب هذه المصادر، على العلاقات الأميركية السعودية، في ضوء ما بدا لواشنطن من أن الرياض تقوض خططها في المنطقة على هذا الصعيد.

وقد شهدت هذه العلاقات كذلك تحولا وصل إلى مرحلة التوتر البالغ على خلفية قضية الحجاج حيث اتهمت حماس السلطات السعودية بالحيلولة دون حصول حجاجها على تأشيرات بالحج، الأمر الذي لجأت الحركة في مقابله إلى الحيلولة دون السماح للحجاج الآخرين بأداء المناسك، وهو ما قابلته المملكة برد فعل عنيف عبر عما اعتبره البعض ضيقا بممارسات مسؤولي حماس.

تساؤلات حول دور الجامعة

وقد عززت الجامعة العربية من حالة الاستقطاب في المواقف رغم ما أدلى به أمينها العام عمرو موسى من تصريحات كان من المتصور أنها تصب في غير ذلك الاتجاه. وكان من الملاحظات الأساسية على موقف الجامعة في هذا الصدد استبعاد حماس من المشاركة في الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب الذي عقد نوفمبر الماضي في القاهرة لبحث الأزمة في غزة، وهو أمر يفقد كل معانيه في ضوء عدم حضور الطرف الرئيسي الذي من المفترض انه بناء على مواقفه يمكن للأزمة أن تحقق انفراجا أو تواصل سيرها في الطريق المسدود.

وقد كان منطق الجامعة هنا ضعيفا حيث إنه إذا كان عباس هو الرئيس الشرعي فإن حماس تمثل حكومة منتخبة بإرادة شعبية إلى الحد الذي يمكن معه القول إنها من الحكومات القليلة عربيا التي وصلت إلى الحكم من خلال صناديق الانتخابات، وهو ما كان أدعى إلى إشراكها والتفاعل مع وجهات نظرها.

لا يمكن هنا فصل هذه التطورات عن تلك المتعلقة بعلاقات حماس مع دمشق كذلك. ليس الأمر تصفية حسابات أو خلافات، وإنما تعبير عن تصنيفات إقليمية في مرحلة يتم التعاطي معها بمنطق المحاور، وهو أمر ساعدت عليه حماس بمجموعة من مواقفها، حيث لم يكن التصعيد مطلوبا سواء مع القاهرة أو الرياض سواء على خلفية قضية معتقليها في الضفة فيما يتعلق بحوار القاهرة أو الحجاج على نحو ما أقدمت عليه الحركة. فضلا عن ذلك فقد التزمت الحركة مواقف عززت الانقسام الداخلي الفلسطيني ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر منع أي احتفالات بذكرى عرفات في غزة، رغم أن ذلك كان يمكن أن يكسبها طابعا يتجاوز الإطار الفصائلي إلى المستوى الفلسطيني العام.

وسط هذه الأجواء لم يكن من الغريب أن يختزل الحديث القضية الفلسطينية من مستوى وطن محتل تتكاتف الجهود لاستعادته وإجلاء المحتل عنه حتى على مستوى حماس ذاتها إلى رفع حصار وإطلاق سراح جندي أسير. ولعل ما يلخص الحالة المزرية التي وصلت إليها الأمور على صعيد مساعي حل القضية الفلسطينية أن قراءة في تصريحات القادة الفلسطينيين الفرقاء سواء أبو مازن على صعيد فتح أو مشعل وهنية علي صعيد حماس، تشير إلى تعاظم مساحة الخلافات الداخلية والانتقادات الموجهة من كل فصيل للآخر على نحو يتجاوز تلك الموجهة إلى الاحتلال الإسرائيلي.

لقد خسرت القضية الفلسطينية للأسف - الكثير بوصول حماس إلى السلطة وهي خسارة ساعدت عليها وعجلت بها مواقف السلطة الفلسطينية التي اعتادت على شاكلة نظيراتها العربية احتكار الحكم، الأمر الذي دعمه مواقف الأطراف العربية فيما مثل في النهاية تحقيق لمصالح الخصوم.

إضاءة

لعل ما يلخص الحالة المزرية التي وصلت إليها الأمور على صعيد مساعي حل القضية الفلسطينية أن قراءة في تصريحات القادة الفلسطينيين الفرقاء سواء أبو مازن على صعيد فتح أو مشعل وهنية على صعيد حماس، تشير إلى تعاظم مساحة الخلافات الداخلية والانتقادات الموجهة من كل فصيل للآخر على نحو يتجاوز تلك الموجهة إلى الاحتلال الإسرائيلي.

مصطفى عبد الرازق