وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس حركة حماس بـ «أنها انضمت إلى كفار قريش والقرامطة بحرمانها الحجاج من أداء فريضة الحج»، وعلل ذلك في تصريحات لجريدة عكاظ السعودية (6 ديسمبر) بأن الحركة تريد« تحقيق مكاسب سياسية رخيصة وإقامة دولتها الظلامية الصغيرة في قطاع غزة». وقال عباس «إن إسرائيل بعنجهيتها واحتلالها لأرضنا لم تجرؤ يوما على حرمان حاج من الوصول إلى الأراضي المقدسة». وتعهد بتمكين الحجاج الذين حرموا من الحج أداء الفريضة في العام المقبل.
تصريحات الرئيس عباس ضد حركة حماس تحمل عدة دلالات، فقد أطلقها فور وصوله إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، وللمكان هنا أهميته. وأول هذه الدلالات هو الخطاب التكفيري الصريح. وثانيها هو التشكيك في وطنية الحركة وأنها تسعى فقط من أجل مصالحها الضيقة. وثالثها أنه قارن حماس بإسرائيل وجعل الأفضلية لها على حماس في التعامل مع فريضة الحج. أما رابعة الدلالات فهي أن الرئيس الفلسطيني اعترف بعجزه عن إيجاد حل مناسب وسريع يضمن للحجاج أداء الفريضة في موعدها ، فوعدهم بأدائها العام المقبل. أهمية ما قاله الرئيس الفلسطيني انه لخص العلاقة بينه وبين حركة حماس، ومن ثم لخص الواقع الفلسطيني بأكمله، من حيث الانقسام بين غزة والضفة في ظل حكومتين. كما كشف عدم قدرة السلطة التي يترأسها على حل مشكلة بسيطة في العلاقة مع حماس، تتمثل في تسفير بعض الحجاج الفلسطينيين ـ ممن وثقوا في مؤسسات السلطة ـ لأداء الفريضة.
كما عبر عن تفضيل التعامل مع إسرائيل بأكثر من حركة حماس، والمدهش انه ترك المشكلة التي تخص بعضا من أفراد شعبه معلقة، وفضل السفر لأداء الفريضة عن نفسه، ولو أنه استعمل صلاحياته الرئاسية وسافر إلى الأراضي المقدسة من غزة لكان قد أنهى المشكلة من جذورها، ولحج معه أيضا 3500 حاج منعتهم حماس من السفر.
مشكلة الحجاج الفلسطينيين التي مثلت عارا في جبين حكومة غزة وفي جبين سلطة رام الله. تلخص كل جوانب المشكلة بين الأخوة الأعداء، حركتي حماس وفتح. تلك المشكلة التي انتقلت من المنافسة إلى عدم القدرة على بناء الشراكة الوطنية. مند تمكن حماس من الوصول إلى الحكم في 25 يناير 2006, ثم التصاعد بعد انفصال غزة في يونيو 2007.
وتبرز الأزمة على مستويين رئيسيين هما: الشرعية والسلطة.
أولا- الصراع على الشرعية: شكل ظهور حركة حماس نقطة تحول فلسطينية، لأنها نمت وتشكلت وأعلنت في الداخل الفلسطيني، ومن خارج إطار منظمة التحرير. وساعد تزامن ظهورها مع اندلاع الانتفاضة الأولى في العام 1987, في إثبات وجودها سريعا، لما تميزت به من قدرة تنظيمية عالية، إلى جانب امتلاكها قيادة بوزن وحجم الشيخ أحمد ياسين، ونهجا فكريا اتخذ من الإسلام شعارا تعبويا ونضاليا، مما ميزها عن كافة الفصائل، ومع انتهاء الانتفاضة كانت حماس قد صارت رقما مؤثرا في الداخل الفلسطيني.
وفي ذلك الوقت كانت كل الفصائل تتسلح بشرعية واحدة تتمثل في الالتزام بالمقاومة المسلحة وعدم الاعتراف بإسرائيل. ولكن توقيع منظمة التحرير اتفاق أوسلو وموافقة حركة فتح عليه، أدى إلى خلخلة كل الثوابت، حيث اعترفت المنظمة والحركة بإسرائيل، وتخلتا عن المقاومة المسلحة. بمباركة الولايات المتحدة وبعض العرب.
وبهذا التوقيع تعددت الشرعيات في البيت الفلسطيني. وبدأ التناقض بين أخوة السلاح. فقد رفضت اتفاق أوسلو كل من: حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وفصائل أخرى. وعلى المستوى الخارجي لم تغب الولايات المتحدة عن التأثير في القرار الفلسطيني من واقع الانحياز الثابت لإسرائيل.
ومع تشكل السلطة الفلسطينية وفق أوسلو واستلامها الحكم، شكلت الفصائل الرافضة بإصرارها على نهج المقاومة مصدر إزعاج، وبدأت المصادمات بين الطرفين.
وبدلا من تأسيس نظام ديمقراطي سليم، لجأت السلطة إلى الحكم التسلطي، الذي مارست فيه الأجهزة الأمنية التابعة لها أشد أنواع البطش ضد المقاومين الرافضين أوسلو. ونال حماس والجهاد الإسلامي النصيب الأوفر، نظرا لنشاطهما المكثف والمتزايد ضد الاحتلال الإسرائيلي. فقد سعت الفصائل الرافضة إلى محاولة نسف الاتفاقية من خلال شرعية المقاومة.
وكان وجود الرئيس ياسر عرفات على رأس السلطة عنصر توافق واستقرار بين الجميع على صعيد التزام حرمة الدم الفلسطيني، واعتباره خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه، إلا أن الأمر لم يخل من عداوة صامتة نشأت بين المقاومين والأجهزة الأمنية والقائمين عليها. ففي ظل التعاون الأمني مع إسرائيل لعبت الأجهزة دورا في اجهاض المقاومة واعتقال المقاومين. ومع رحيل عرفات ازدادت الأمور تأزما، وسقطت كل المحرمات.
وساهمت مماطلات اسرائيل في تعقيد موقف السلطة، حيث تيقن الشعب الفلسطيني من عدم رغبتها في السلام العادل، فازداد التعاطف الشعبي مع المقاومة، بينما ازداد موقف السلطة حرجا في ظل استشراء الفساد وتغلغله في معظم المؤسسات، وذلك إلى جانب عجز السلطة عن حماية الشعب من اعتداءات الاحتلال، وعجزها أيضا عن توفير الخدمات الأساسية.
ووسط هذه الأجواء صعد نجم حماس، التي عززت شرعيتها من فوهة البندقية، على حساب أفول نجم فتح، التي تبعثرت شرعيتها التاريخية على موائد المفاوضات. وكان في انسحاب اسرائيل من قطاع غزة في العام 2005 اعترافا عمليا بصوابية نهج المقاومة.
ثانياـ الصراع على السلطة: أدت هذه النتائج السابقة فعلها في صناديق الانتخابات الفلسطينية التي جرت يوم الخامس والعشرين من يناير عام 2006، إذ جاءت الانتخابات بصدمة فوز حماس على حركة فتح، مما اعتبر انتصارا جديدا لشرعية المقاومة على شرعية أوسلو. ولم تكن الصدمة فلسطينية فقط وإنما عربية ودولية. إذ أربك فوز حماس الجميع، وأعادهم إلى المنطقة صفراً.
لم تستوعب فتح هذه الصدمة، ورفضت التعامل معها بواقعية، حيث رفضت المشاركة في الحكومة. وعندما نجحت حماس في تخطي العقبات، فرضت إسرائيل الحصار على الشعب الفلسطيني معاقبة له. وضيقت على حماس باعتقال نحو نصف عدد الوزراء واعضاء المجلس التشريعي ممن يقيمون بالضفة الغربية لاعاقة عمل الحكومة والمجلس التشريعي.
ووسط الحصار الفتحاوي والإسرائيلي، مارست الولايات المتحدة حصارا سياسيا دوليا على الحكومة الفلسطينية الجديدة، وتعاملت فقط مع الرئيس عباس، شاركتها دول عربية لا تطمئن إلى حماس، فعانت الحكومة سياسيا واقتصاديا إلى حد العجز عن دفع رواتب الموظفين.
وأدت هذه الأجواء الى نشوب صراع عنيف على مؤسسات السلطة بين فتح وحماس، ففتح تريدها لاستعادة مكانتها الضائعة، وحماس تتشبث بها كحق حصلت علية بالانتخاب. وشمل الصراع ثلاثة مستويات هي: الأجهزة الأمنية والحكومة والرئاسة.
الأول ـ الأجهزة الامنية: سعت الحركتان منذ انتخابات 2006 الى محاولة السيطرة على الأجهزة الأمنية، ففتح أرادتها استمرارا لنفوذها، بينما أرادتها حماس باعتبارها الحكومة الشرعية.
ومن اجل توطيد سلطتها أنشأت حماس قوة خاصة بها، اطلقت عليها اسم القوة التنفيذية وتتكون من اثني عشر ألف جندي وضابط.، لكنها قوبلت بالرفض من جانب السلطة في رام الله التي امتنعت عن دفع رواتبها. وأدى هذا الصراع الى انقسام ولاءات الأجهزة، والى حالة انفلات امني في قطاع غزة خاصة، وكانت عفوية حينا ومتعمدة أحيانا من جانب بعض القادة الأمنيين التابعين لفتح، الذين رفض بعضهم الخضوع لسلطة حماس. وتأخذ حماس على الأجهزة انها مخترقة اسرائيليا الى حد كبير من خلال التنسيق الأمني، وانها تقوم بممارسات غير قانونية وتعادي نهج المقاومة.
وكانت قضية الاجهزة الأمنية قد أدت الى افشال معظم محاولات التقارب بين الفصيلين، سواء في أعقاب اتفاق مكة أو حوار القاهرة مؤخرا. فبعد الاتفاق على معظم نقاط الخلاف، توقف الحوار الذي شاركت فيه معظم الفصائل الفلسطينية، بسبب اتهام حماس للسلطة بعدم الافراج عن اربعمائة وخمسين معتقلا لها. وهو ما تنفيه السلطة.
وتفيد بعض التقارير أن موقف رام الله تجاه قضية معتقلي حماس نابع من قيود التعاون الأمني التي يضعها على السلطة المنسق الأميركي الجنرال كيت دايتون، (القدس العربي- الجمعة 12 ديسمبر)
الثاني- الحكومة: أدت الضغوط الأميركية الاسرائيلية وبعض العربية الى عدم تمكن الحكومة الفلسطينية برئاسة اسماعيل هنية من كامل مهامها، إذ رفضت الولايات المتحدة التعامل مع حكومة أو وزراء من حماس، كما تبين مع حكومة اسماعيل هنية الأولى والثانية بعد اتفاق مكة.
وفي استجابة للضغوط الدولية ترى السلطة برئاسة محمود عباس أن المخرج يكمن في حكومة تكنوقراط لا تنتمي إلى أي من حماس او فتح، لتتولى تسيير المهام الوطنية، وان تكون مرجعيتها ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، لكن حماس تتمسك بحقها الوطني وتريد حكومة تشارك فيها، وتكون مرجعيتها بنود اتفاق مكة، ولا علاقة لها بمرجعية المنظمة أو اوسلو، وتدعم نضال الشعب الفلسطيني وحقه في المقاومة.
وكانت مشكلة الحكومة أحد الموضوعات التي نوقشت في اعلان صنعاء (مارس الماضي) كما كانت على جدول اعمال الحوار الوطني في القاهرة (نوفمبر الماضي)، ذلك الحوار الذي أجهض من جانب فتح وحماس، حتى أن مواقف الطرفين القت بظلاها السيئة على باقي الفصائل التي تعرضت للاستقطاب السياسي خلال جلسات الحوار.
الثالث- الرئاسة: تعد مشكلة الرئاسة هي الأحدث في الازمة الفلسطينية، فمن المقرر أن تنتهي ولاية الرئيس محمود عباس في التاسع من يناير المقبل. ومن الناحية القانونية لايحق له بعد هذا التاريخ- وفق الدستور- تمثيل الفلسطينيين.
ويشكل هذا الامر مأزقا حقيقيا للشعب الفلسطيني كله وتريد السلطة اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة تتولاها حكومة التكنوقراط. ولكن حماس لا ترى ضرورة في الربط بين الاثنين، ذلك ان الذي يستوجب الانتخاب لانتهاء ولايته هو الرئيس وليس التشريعي. وقد أفادت بعض التقارير أن فشل حوار القاهرة اهدر فرصة للخروج من المازق.
حيث قدمت حماس عرضا يقضي بالتمديد للرئيس ستة أشهر قابلة للتجديد(المصري اليوم 12 أكتوبر). وكانت أزمة الرئاسة قد تفجرت عندما اعلن خالد مشعل رئيس المكتب التنفيذي لحركة حماس من دمشق في رمضان الماضي، أنه لا شرعية للرئيس عباس بعد التاسع من يناير، مشيرا الى صعوبة اجراء الانتخابات الرئاسية في ظل غياب التوافق. وفي محاولة للتغلب على المأزق اجتمع يوم الأحد (23 نوفمبر) المجلس المركزي لمنظمة التحرير في رام الله، وقرر اختيار محمود عباس رئيسا لفلسطين، لكن هذا الاجراء لا يغني عن شرعية الانتخابات.
وهكذا فان اختلاف التوجهات وتناقض المصالح ألقى بمساوئه على المشهد الفلسطيني بكافة مؤسساته. ولم يكن سقوط حرمة الدم الفلسطيني منذ اقتتال الانفصال بين غزة والضفة، والاعتقالات المتبادلة بين الطرفين، إلا نتاجا لهذه الأجواء، ثم جاءت أزمة الحجاج لتنزع كثيرا من التعاطف العربي والاسلامي عن كل من فتح وحماس. واذا ما طال الأمر على هذا النحو الرديء، فان الطرفين مقبلان على خسران شرعيتها القانونية والواقعية على كافة المستويات.
إضاءة
في الاحتفال بالذكرى الحادية والعشرين لانطلاق حركة حماس، والذي عقد بغزة يوم الاثنين الماضي، قال إسماعيل هنية القيادي في الحركة ورئيس الوزراء في الحكومة الفلسطينية المقالة ،أن حماس لن تمدد للرئيس محمود عباس بعد موعد انتهاء ولايته في التاسع من يناير المقبل، ولو ليوم واحد ، لأن التعامل مع الاستحقاق الرئاسي يستلزم تطبيق القانون، وهذا يحتاج إلى أجواء وطنية تنهي الانقسام الفلسطيني.
أحمد الكناني