يكاد الرئيس المنتخب، باراك أوباما، ينتهي من اختيار أركان إدارته. فريق «الأمن الوطني»- الخارجية، الدفاع، الداخلية والسفير في الأمم المتحدة - ، اكتمل. كذلك فريقه المالي الاقتصادي، وأيضاً مجموعة كبار مستشاريه في البيت الأبيض.

لم يبق غير القليل على هذا المستوى. استكمال الصفّين الثاني والثالث، حوالي ثلاثة آلاف من المستشارين والمساعدين والمعاونين، قد يتواصل إلى ما بعد تسلّمه دفّة القيادة؛ بعد نيّف وخمسة أسابيع. تركيبته الوزارية، حظيت، لجهة الكفاءة والخبرة، بترحيب وتأييد واسعين، في الساحة الأميركية. شحنة جديدة من الزخم لرئاسته، تضاف إلى التفويض الوازن الذي ناله يوم انتخابه.

لكن ثمة تساؤلات وتحفظات مشروعة، تردّدت، في الداخل كما في الخارج؛ حول بعض الأسماء التي وقع عليها اختياره، خاصة في الخارجية والبيت الأبيض والدفاع. وكان ذلك من باب أنها لا تمتّ بصلة إلى التغيير وشروطه ومواصفاته المطلوبة، بقدر ما هي ترمز للاستمرارية وتنتمي للمدرسة التقليدية. ربما مع الفارق بالأسلوب.

لكن في الجوهر، هي من نفس الطينة ونفس النسيج. لاسيما وأن بعضها كان في مطبخ القرار، أو أنه من مقربي أو من تلامذة، من كانوا في ذلك المطبخ؛ يوم كانت ترسم السياسات وتتخذ القرارات التي تراكمت وانفجرت فقّاعاتها تباعاً. وكانت الأزمة المالية آخرها. طبعاً، تشكيلة الرئيس المنتخب أكثر مقبولية، بكل المقاييس؛ من إدارة الصقور والمحافظين الجدد، التي سبقتها.

شخصياتها محسوبة، بالمعايير الأميركية، على الخندق الوسطي المعتدل. وفي ذلك مؤشر لتراجع عقلية المغامرة، في السياسة الخارجية. على الأقل تقديم الحوار والانفتاح، ورفع الفيتوات؛ في هذا الخصوص. لكن بالنهاية، تبدو إدارته كلينتونية أكثر مما هي أوبامية. عدد وافر من أركانها سبق وشغلوا مناصب في عهد الرئيس كلينتون. لا يحملون من الجديد بقدر ما يحملون من الخبرة. ليس في ذلك ما يضير. لكن ليس بالإمكان وضعهم في خانة رواد التغيير. هم من قماشة لا تتناسب مع هذا الشعار، الذي طرحه أوباما، خلال حملته الانتخابية ثم كرّره بعد فوزه.

فهذا الوعد له، في هذه اللحظة التي جاءت بالرئيس الجديد؛ مفهوم جديد. أو هكذا يفترض أن يكون. في اقلّه، أن يكون على قدر ملحوظ من الافتراق والمغادرة مع المألوف؛ كمقاربة وكرموز. المعتاد، يفقد وعود الرئيس المنتخب؛ صدقيتها. التساؤل حول جدّيته، تبلور مع ولادة الإدارة الجديدة؛ وصار حديث الناس. الأمر الذي حمل صاحب الشعار، في مؤتمر صحفي، على الرد والتطمين؛ بالقول: « أنا التغيير ».

من المستبعد أن يكون قد قصد بأن التغيير تحقق بمجرد وصوله، إلى الرئاسة. فذلك لا يتفق ودرجة التحول الذي حصل؛ مع هذا الوصول. الاحتمال الآخر، أن لديه مشروعا في هذا الخصوص؛ وقد استعان بالخبرات التي يرى أنها قادرة على ترجمته. لكن لا هو عرض معالم مثل هذا المشروع، أثناء حملته الانتخابية؛ ولا بعد فوزه. كل ما تسرّب من ما يمكن أن يدخل في قائمة الجديد، على تواضعه، كان الكلام عن اعتزامه على إقفال «غوانتانامو»، فور تسلّمه لسلطات الرئاسة.

مع أهميته، لا يتصل هذا الشأن بجوهر السياسة الخارجية. الباقي من الملفات الأساسية والساخنة، خاصة الشرق أوسطية، لم يعرج عليها خطابه السياسي، بأكثر من إشارات لا تخرج عن لغة إدارة الأزمة. وفي كل الحالات، ليس هناك في الطرح ولا في الخلفية؛ ما يؤشر إلى استعداده للقطيعة، حتى لا نقول للانقلاب، مع المقاربات المتداولة والمعمول بها. ربما هناك نيّة لتدوير زواياها. لكن حتى ذلك، في طريقه عقبات، لا تدلّ تعييناته أنه يعتزم إزالتها من الطريق.

سواء فيما يخص الملف الفلسطيني، أو العراقي - وفي الاثنين مواقفه أكثر من ضبابية -- ،أو القضايا الدولية الأخرى؛ من المسرح الأوروبي- الروسي،إلى آسيا،وانتهاء بالنظام المالي الدولي والتعديلات المطلوبة بشأنه. مشروع أوباما التغييري، لا توحي تركيبة إدارته بأنه يطمح أو يقوى -- لا فرق- على تجاوز دور العطّار الذي يزمع إصلاح ما أفسده الدهر. مع ذلك يبقى جديراً بإعطائه الفرصة.