أحدثت جولة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في أميركا اللاتينية والتي زار خلالها بيرو والبرازيل وفنزويلا وكوبا ردود فعل قوية في الدوائر الغربية ، وخاصة في واشنطن حيث خرجت العديد من الصحف الأمريكية يتصدرها مانشيتات تقول « الدب الروسي يعبث في الحديقة الخلفية لأميركا» ، « الأساطيل الروسية في بحر الكاريبي ».

وآخر يقول « روسيا ترد على توسعات الناتو بالتغلغل في أميركا اللاتينية » ، وغير ذلك من العناوين التي تعكس بوضوح مدى القلق الأمريكي من التحركات الروسية في القارة الجنوبية ، والتي لا تستطيع واشنطن أن تصدق أنها تحركات حسنة النية وذات دوافع اقتصادية وإنسانية كما تدعي موسكو ، وكما تدعي الدوائر الرسمية في الدول الأربع التي زارها ميدفيديف الأسبوع الماضي ، وهي بيرو و البرازيل وفنزويلا وكوبا. أميركا اللاتينية التي عرفت لعقود طويلة بأنها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية ولا يجوز لأحد الاقتراب منها لم تعد كذلك في الآونة الأخيرة.

ولا يقتصر الأمر هنا على الدول التي تنتهج النهج الاشتراكي وتظهر عدائها ورفضها العلني للسياسة الأمريكية مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا وغيرها ، بل أيضا في الدول ذات النهج الرأسمالي ، وعلى رأسها العملاق الاقتصادي الصاعد « البرازيل » وكذلك المكسيك التي زار رئيسها روسيا مؤخرا وعقد اتفاقيات تعاون معها في مجالات حيوية مثل الطاقة والتعاون التقني العسكري وغيرها. و يرى البعض أن سياسة المحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن على مدى الأعوام الثمانية الماضية والتي ركزت كل اهتمامها في منطقة الشرق الأوسط هي التي مهدت لنمو التوجهات المناهضة للسياسة الأمريكية داخل أروقة الحكم والأنظمة الرسمية الحاكمة في دول أميركا اللاتينية.

وكان هذا محور هجوم وانتقاد أثناء حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2004 من المرشح الديمقراطي جون كيري ضد الرئيس بوش. فمن المعروف أن معظم الأنظمة الحاكمة في أميركا اللاتينية كانت محمية من واشنطن ومن الاستخبارات الأمريكية ضد غضب وامتعاض شعوبها ، ومع إهمال واشنطن لهذه القارة أثناء حكم المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن سقط بعض أنظمة الحكم الموالية لواشنطن لتحل محلها أنظمة اشتراكية معادية للسياسات الأميركية، بينما لجأ البعض منهم لسياسة ترضي الشعوب بمناهضة ورفض السياسة الأمريكية، وفي هذا المناخ وجدت روسيا الفرصة متاحة أمامها والطريق مفتوح لدخول هذه القارة البعيدة فقررت الدخول ، أو بمعنى أصح العودة إليها ، ولكن في هذه المرة بدون أيديولوجية حمراء أو تحالفات عسكرية وبدون شعارات أو تهديدات لجهات معينة مثلما كان يفعل الاتحاد السوفييتي السابق.

ردود فعل قوية

جولة ميدفيديف في أميركا اللاتينية أثارت ردود فعل قوية في الدوائر الغربية ، وخاصة في واشنطن ، ولم يهدئ من ذلك تصريح ميدفيديف الذي أدلى به في كوبا أثناء لقائه بالزعيم الكوبي فيديل كاسترو ، وقال فيه « روسيا عادت إلى أمريكا اللاتينية من أجل التعاون الإنساني والاقتصادي في مجال الطاقة والتكنولوجيا العسكرية ، وهذا التعاون ليس موجها ضد أحد »، ولا تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف التي قال فيها « ما يقال في وسائل الإعلام الغربية من أن روسيا تسعى لفرض هيمنتها على الحديقة الأمنية للولايات المتحدة ليس صحيحا بالمرة وهو من قبيل موروثات الحرب الباردة ».

وقد قابل هذه التصريحات المهدئة تصريحات أخرى من الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز أثناء الزيارة وصف فيها روسيا بالحليف الإستراتيجي. وقال شافيز «إن شعوب العالم تشكر روسيا على نضالها من أجل إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب»، وقال أيضا «يمكن أن يكون دور روسيا حاسما في تحقيق توازن سياسي في العالم، وكذلك لوضع حد لنظام القطب الواحد والتطلعات الزعامية للشرطي العالمي (الولايات المتحدة)».

ربما يكون ما يقال عن نوايا روسيا الحسنة صحيحا ، ولكن جولة ميدفيديف وما تم خلالها من الاتفاق على مشاريع تعاون واتفاقيات في مختلف المجالات وخاصة في مجالات الطاقة والتعاون العسكري لا يعكس بشكل واضح هذه النوايا الحسنة. كما أن الجولة صاحبها شيء هام يثير الشكوك كثيرا حول هذه النوايا.

حيث وصل إلى سواحل فنزويلا قبل وصول ميدفيديف إليها بساعات قليلة أربعة سفن حربية من أكبر قطع الأسطول البحري الروسي يتقدمها الطراد العملاق « بطرس الأكبر» الذي يشبه المدينة العائمة بطوله الذي يعادل طول ملعبي كرة قدم وطوابقه العشرين ويحمل 31 صاروخ «غرانيت» مجهز لحمل رؤوس نووية والعديد من الأسلحة الأخرى القتالية.

وقد شاركت هذه السفن الحربية الروسية في مناورات مشتركة مع الأسطول الحربي الفنزويلي ، وتعد هذه أول مرة يشهد فيها بحر الكاريبي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة مناورات حربية تشارك فيها سفن روسية ، وهو الأمر الذي أثار قلقا شديدا في أروقة البنتاجون الأمريكي ، خاصة وأن فنزويلا كانت قد استقبلت منذ شهرين طائرتين روسيتين إستراتيجيتين من طراز ( تو ؟ 160) العملاقة والمعدة لقذف القنابل النووية، والتي يسميها البنتاجون بـ « الدب الروسي ».

ويقول المحلل الإستراتيجي الروسي والجنرال المتقاعد « إيليا كرافيك » لوكالة نوفوستي « إن وصول مثل هذه الطائرات والقطع الحربية البحرية لهذه المنطقة يعني في العرف العسكري أن هذه المنطقة تشكل أهمية إستراتيجية للدولة الزائرة وأن لها مصالح في هذه المنطقة مستعدة للذود عنها بالقوة » .

اعتراضات أميركية

كما تم الاتفاق أثناء الزيارة على قيام روسيا ببناء مفاعل نووي في فنزويلا ، الأمر الذي من المتوقع أن يلقى اعتراضات حادة من واشنطن ويكرر مسلسل البرنامج النووي الإيراني. ويقول الخبير الأمريكي « أرييل كوهين» لصحيفة فيدوموستي الروسية إنه يتوقع أن يتسبب هذا المفاعل في فنزويلا في إفساد العلاقات بين موسكو وواشنطن لأنه ليس من المستبعد ، بل من المتوقع أن تستخدمه فنزويلا في إطار برنامج نووي عسكري .

ما حدث في فنزويلا كان متوقعا ، ولكن ما حدث في البرازيل أثناء زيارة ميدفيديف لها ربما يثير الشكوك أكثر ، باعتبار أن البرازيل ليست على خلافات مع واشنطن مثل فنزويلا و كوبا وغيرهما ، فقد أعلن الرئيس ميدفيديف بحضور الرئيس البرازيلي لويس دى سيلفا عن تحالف تكنولوجي عسكري بين البلدين ، وقال ميدفيديف في مؤتمر صحفي عقد في ريو دي جانيرو في ختام الزيارة : «أعتقد أن مهمة إقامة التحالف التكنولوجي بين روسيا والبرازيل قد تنفذ بنجاح قريبا».

وذكر ميدفيديف أن الجانبين حريصان على أن يتطور التعاون بينهما ليس في مجال توريد الخامات فحسب، بل ومن خلال تنفيذ المشاريع باستخدام التكنولوجيات العالية في قطاع الطاقة، وفي استكشاف الفضاء وتطوير الاتصالات والتعاون العسكري التقني أيضا.

وتم أثناء الزيارة توقيع اتفاق بين الهيئة الروسية للتعاون العسكري وقيادة القوات المسلحة البرازيلية ، كما تم توقيع اتفاقيات هامة بين البلدين في مجالات الطاقة وأبحاث الفضاء والاتصالات ، واتفاق آخر على إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين لمواطنيهما. وصرح الرئيس البرازيلي دي سيلفا بأن مجموعة « بريس » التي تضم البرازيل وروسيا والصين والهند أصحاب أعلى مؤشرات تنمية في العالم ستمثل قوة هائلة على الساحة الدولية تساعد على تأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

ومن المقرر أن تستضيف موسكو قمة مجموعة «بريس» العام المقبل، وتخشى واشنطن أن تتحول هذه المجموعة إلى قوة اقتصادية ضاغطة و مواجهة للهيمنة الأمريكية في الأسواق العالمية ، خاصة وأن الدول الأربع تشكل معا نحو ثلث سكان الأرض مع أكبر معدلات إنتاجية ، الأمر الذي سيخلق من هذه المجموعة أكبر سوق عالمية . وقد اختتم الرئيس الروسي ميدفيديف جولته في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة بزيارة الحليف القديم كوبا ، وفي لقائه مع الرئيس الكوبي راؤول كاسترو قال ميدفيديف «لقد عدنا إلى أميركا اللاتينية و خاصة إلى كوبا».

وفي تعليق على التصريح كتبت صحيفة واشنطن بوست معلقة تقول «قالها ميدفيديف صريحة ، لقد عدنا ، إنهم هم أنفسهم الذين كانوا هناك ثم عادوا ، وليس جيلا جديدا ولا سياسة جديدة ولا نوايا مختلفة كما يدعون » ، وتقصد الواشنطن بوست أن توجهات روسيا كما هي لم تتغير عنها في زمن الاتحاد السوفييتي وأنها مازالت هي الدولة صاحبة الطموحات التوسعية والإستراتيجية الموجهة ضد الولايات المتحدة الأمريكية .

جولة ميدفيديف في الحديقة الجنوبية الأمريكية بما حدث فيها تستحق بالفعل القلق والتوتر الدائر في الولايات المتحدة بشأنها ، و تشير إلى توجهات في السياسة الخارجية لموسكو وإستراتيجية روسية عالمية جديدة تبشر بالفعل بنظام عالمي جديد يتشكل وعودة جادة و قوية لروسيا على الساحة الدولية.

د. مغازي البدراوي