«قم للمعلم وفيه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا» ..هكذا كانت النظرة للمعلم في النصف الأول من القرن الماضي باعتباره من ورثة الأنبياء مصداقا لحديث الرسول صلي الله عليه وسلم «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ذهبا ولا فضه..»فهل مازال المعلم يتمتع بنفس الدرجة من التعظيم والتوقير والتبجيل والاحترام؟..وهل لو أن شاعر النيل الكبير حافظ إبراهيم بيننا الآن كان سيقول ما قاله في النصف الأول من القرن الماضي.. أم أنه كان سينشد قصيدة رثاء للمعلم بعدما آل إليه حاله من تدن وانحدار ولما حدث من انقلاب في رسالة المعلم السامية.
ملف المعلمين والمدارس ملف مفتوح بطبيعته،ولكن هذه المرة الأمر مختلف والموضوع جد خطير نظرا لاستفحال ظاهرة العنف داخل المدارس خاصة من جانب المعلمين تجاه التلاميذ وظهور حالات خطيرة من العنف وصلت إلي درجة القتل والتعذيب والتنكيل بشكل يكاد يكون مرضيا.
وربما تكون حادثة مقتل التلميذ إسلام بالصف الثاني الابتدائي ثم وفاة طفلة أثناء انتظارها لدورها في العقاب الذي سيوقعه عليها المدرس فماتت من الخوف ، ربما كانت هذه الأحداث وغيرها كانت «القشة التي قسمت ظهر البعير»وأدت إلي تسليط الأضواء علي هذه الظاهرة والتي لم تكن هذه الأحداث بالطبع هي بدايتها فكم من مرة قرأنا في الصحف عن جرائم اغتصاب مدرسين لتلاميذ أو حالات تحرش جنسي أو هتك عرض أو الاعتداء بالضرب على أطفال في عمر الزهور كل ذلك ما دفعنا لفتح هذا الملف الشائك.
ثقافة مجتمعية شائعة
في البداية ،أرجع الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث استفحال ظاهرة العنف في المدارس إلي ثلاثة مصادر رئيسية الأول ويتمثل في تحول العنف إلى ثقافة مجتمعية شائعة وسائدة فظاهرة العنف هي التي تحكم علاقة السلطة بالشعب والشرطة بالمواطنين وتحدد العلاقة داخل الشوارع والبيوت فالعنف ليس مستهجنا ولا مستبعدا ولا مرفوضا من جانب الفئات المجتمعية المختلفة وإنما يمارس بدرجة أو بآخري في كافة مناحي الحياة اليومية.
وأضاف أن المصدر الثاني للعنف في المدارس يتمثل قي أن النظام التعليمي ذاته قائم علي أن المعلم يتعامل كسلطة ولأنه سلطة فهو يمتلك جميع الصلاحيات التي يمتلكها أصحاب السلطات الأخرى من القمع والبطش والتنكيل فكما يضرب الآباء أبناءهم وكما يضرب الأزواج زوجاتهم وكما يضرب الأقوياء الضعفاء وكما يحدث في أقسام الشرطة والمنازل والشوارع والكثير من المصالح والمؤسسات فإن المدرسين أيضا يتبعون نفس المنهج في التعامل مع التلاميذ باعتبارهم ضحايا يستحقون البطش.
وتابع : أما فيما يتعلق بالمصدر الثالث فهو مرتبط بالظروف المادية الاقتصادية والمالية التي تجعل من عوامل الاحتقان والتوتر والقلق مؤثرات علي تصرفات المعلمين ووضعهم تحت الضغط المستمر خاصة في ظل تدني أجور ومرتبات المعلمين وارتفاع الأسعار.
وحول كيفية مواجهة ظاهرة العنف داخل المدارس، أكد الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث أنه للتغلب علي هذه الظاهرة لابد من العمل علي تغيير الثقافة الاجتماعية وأن يكون لكل الأشخاص مراكز قانونية محترمة تصونهم وتحميهم من ممارسة العنف ضدهم وخاصة الأطفال والنساء.
أما الخطوة الثانية فهي العمل علي إزالة أسباب التوتر والاحتقان في المدارس والتخلص من فكرة الجزاء أقرب من الحوار ومعالجة تدني مرتبات وأجور المدرسين، والأمر الثالث في مواجهة العنف داخل المدارس فيتمثل في سعي مجالس الأمناء في المدارس لوضع صيغ أو مواثيق شرف يتم بمقتضاها تحديد الأساليب التي يتم التعامل من خلالها مع أي مظاهر للتقصير أو الخطأ أو الخروج عن المألوف.
استبداد مجتمعي
ويرى رئيس جمعية الحق في التعليم عبد الحفيظ طايل أن العنف غير قاصر علي المدارس والعملية التعليمية فقط وإنما هو أحد الأشكال التي يستخدمها المجتمع ويمارس في كل المجتمعات الاستبدادية وهو ماينطبق أيضا علي الاستبداد المجتمعي في المجتمعات التي تربي أبناؤها من أجل المفاهيم والموروثات المجتمعية المتعاقبة وضمان عدم الخروج عن النص المجتمعي المتوارث وهذا هو أحد المحركات التي تحرك العنف داخل البيوت بين الآباء والأبناء وبين الأزواج والزوجات وداخل أقسام الشرطة وفي المصالح العامة وداخل التشكيلات الفئوية المختلفة .
وأشار طايل إلى أن المجتمع يتعامل مع المعلم أو المدرس باعتباره ضابط شرطة المجتمع للحفاظ علي تقاليده وعاداته وأعرافه التربوية والمتعارف عليه خاصة داخل المجتمعات الشعبية أنه كثيرا ما يهدد الآباء والأمهات أبناءهم بتحريض المدرس عليهم والتأكيد علي أن المدرس سيربيه أو أن يذهب بعض أولياء الأمور إلي المدرسين والشكوى من تردي مستوى أبنائهم وتدني المستوى الأخلاقي ويقول الأب للمدرس «عايزك تسلخه ولا تخشي أي شئ».
وأضاف طايل :أن السبب الثاني لتفشي ظاهرة العنف داخل المدارس فتتحمل وزره الدولة نفسها التي تتعامل مع ملف التعليم وخاصة التعليم المجاني الذي يضم الغالبية العظمي من التلاميذ في مصر بإهمال شديد باعتباره عبئا يثقل كاهلها ويرهق ميزانيتها ولذلك فهي لا تعطيه الاهتمام الكافي سواء من ناحية المدرسة أو المعلم أو الكتاب المدرسي أو التلميذ نفسه.
وبالتالي فالدولة لا تتعامل مع المعلم كمهني يجب إعداده وتدريبه وتأهيله بشكل مستمر ومتواصل ولا تتعامل مع المدارس بالشكل اللائق فكثير منها آيل للسقوط وغير صالح للعملية التعليمية وكثافة الفصول مرتفعة جدا بشكل يستحيل معه إتمام العملية التعليمية حتي المدارس التي أنشئت في المناطق الجديدة ذات الكثافة السكانية المنخفضة والتي يفترض أن تقل فيها كثافة الفصول حيث تقوم إدارات المدارس بإغلاق الفصول وضم التلاميذ وتكديسهم نظرا لعدم وجود أعداد كافية من المعلمين بعد أن توقفت الوزارة عن تعيين المعلمين والاستعانة بالهواة غير المتخصصين.
المفهوم الخاطئ للعنف
وأكد طايل أن المجتمع يتجلي جبروته الأجيال الجديدة في العنف الممارس ضدها للحفاظ على موروثات هذا المجتمع، مشيرا إلي عدم وجود وظائف يبرر ممارستها للعنف إلا في مكانين فقط ، وهما قسم الشرطة بتبرير ما يحدث داخلها من عنف باعتبار أن هؤلاء مجرمين وخارجين علي القانون وأن العنف مورس ضدهم في إطار الدفاع عن النفس وأنهم حاولوا الاعتداء علي رجال الشرطة ، أما المكان الثاني فهو المدارس باعتبار أن العنف نوع من الإصلاح والتهذيب والتربية.
وطالب طايل بضرورة تغيير نظرة المجتمع لدور المدرسة والمعلم وأن تعمل الدولة علي التوسع في بناء المدارس وخفض كثافة الفصول وإعداد وتأهيل وتدريب المعلمين كمهنيين ومربيين بما يتناسب ومتغيرات ومستجدات العصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية، داعيا وزارة التعليم إلي أعادة النظر في عناصر إنفاق ميزانيتها وترشيد هذا الإنفاق بشكل أكثر فاعلية بما يعظم أكثر من هذا الاستخدام. كما طالب بضرورة إحداث شراكة حقيقية وليست نظرية أو تجميلية بين أولياء الأمور والطلبة مع إدارات المدارس في إدارة العملية التعليمية.
القاهرة - «البيان»