وقف عدنان عطا الله الموظف الأردني في إحدى المؤسسات الحكومية في صالة الانتظار وهو يضم ابنه الصغير على صدره، متمتما بصوت عال أن جهة ما «لا تخاف الله».

فيما جلست مسنّة على الأرض في ذات الصالة متكئة على جدار وقد ظهر عليها الالم. المسنة لم تنتبه لابنها الشاب الذي كان يتحدث معها بلهفة، بأنه سيقوم على عجل «بعمل محاولة لتخفيف ألمها»، وعندما انتبهت له قالت كلمات غير مفهومة، ولكن دلت إشارات يدها بأنها لا تصدقه، خاصة وأنها وابنها لا يملكان المبلغ الذي طلب منهما لكي يسمح للأطباء بالبدء علاجها.

القصة ليست خاصة في تلك الحالتين، فبعد أن طبقت وزارة الصحة التسعيرة الجديدة للنظام الخاص لمستشفى الأمير حمزة حيث كان المواطن عطا الله وتلك المسنّة، بدأ المواطنون المراجعون للمستشفى بالتذمر بعد ان اكتشفوا حجم الاحتجاج الشعبي على النظام الجديد الذي كان وزير الصحة الأردني الأسبق د. زيد حمزة تحدث عنه خلال محاضرة في منتدى عبد الحميد شومان مؤخرا عندما قال: أجزم بان القطاع الصحي العام في الاردن يتجه نحو الخصخصة، وأن نفي وزير صحة صلاح المواجدة بوجود أي توجه لدى الحكومة من أجل خصخصة القطاع الصحي العام ليس كافيا في ظل وجود العديد من المؤشرات التي تدل على أن المملكة سائرة نحو خصخصة القطاع الصحي العام، ومنها مستشفى الامير حمزة».

وبعيدا عن صالات المحاضرات والندوات وقف ابن المسنة قريبا من والدته لا يعرف ماذا يفعل فالمحاسب - وفق قوله لـ «البيان» - قال له لا يمكن أن يستقبل في المستشفى إلا بعد دفع مبلغ 200 دينار. وتساءل وهو يلوح ببطاقة التأمين: ما جدوى هذه إذا كان المواطن مضطرا لدفع هذا المبلغ، متسائلا: ماذا سيفعلون بمن يأتي للإسعاف والطوارئ وحالته خطيرة ولا يملك المبلغ المطلوب.. هل سيطردونه رغم انه مؤمن وهل أصبح حتى التأمين نفسه للأغنياء فقط، وماذا يفعل؟

فيما قال المواطن عطا الله وهو ينقل طفله من يده اليمنى إلى اليسرى بعد أن أتعبه طول حمله: إن المحاسب طلب مبلغ ستة دنانير وعندما دفعها عاد وطلب منه خمسة دنانير، وقال: لماذا اذا يكذبون علينا في الصحافة ويقولون أن الاطفال مؤمنون تحت سن السادسة؟ وقال ساخرا: لاادري ما الذي ستفعله وزارة الصحة بمستشفياتها هل هي خصخصة أم انها ستجعل اسعارها توازي المستشفيات الخاصة. في اشارة الى ان المضمون واحد.

وفيما يزيد الشكوك في توجه القطاع الصحي العام في الاردن للخصخصة ما كشفه وزير الصحة الاردني في مؤتمر صحافي له عن خطة لدى الوزارة لتطبيق النظام الذي بدأت «الصحة»العمل به في مستشفى الامير حمزة الحكومي على مستشفيات القطاع العام كافة، وذلك بعد ان تتأكد من نجاح تطبيق النظام الخاص لهذا المستشفى الامير حمزة.

ويدفع المرضى المؤمنون وفق هذا النظام 30% بدلا من الخدمات التي تقدم لهم اما غير المؤمنين فعليهم الحصول على اعفاءات ليدخلوا الى المستشفى كما في مستشفيات القطاع الخاص او مركز الحسين للسرطان او مستشفى الجامعة. وكان مدير مستشفى الامير حمزة المكلف الدكتور مصطفى الفلاح شرح في تصريحات صحافية ''الاسعار'' التي تستوفى من المواطنين في المستشفى فقال ان اي مواطن مؤمن يصل دون أن تقوم جهة حكومية صحية بتحويله الى المستشفى سيتم استيفاء 20% من قيمة الفاتورة منه اما غير المؤمنين فيجب عليهم دفع التكاليف كاملة.

واضاف د. فلاح إن تكاليف الاسعار في المستشفى لن تصل للقيمة ذاتها التي تستوفيها المستشفيات الخاصة. وتعتمد لائحة اجور العلاج والخدمات المقدمة في نظام مستشفى الامير حمزة الجديد على نظام القطاع الخاص من حيث الاجور بالنسبة لغير المؤمنين. ووفق تصريحات وزير الصحة فإن على كل من يراجع المستشفى مباشرة دفع مبلغ 20% من التكلفة، بينما المؤمن الحاصل على تحويلة من أحد المراكز الصحية الشاملة فإنه لا يتحمل أي جزء من التكلفة.

ويعلق وزير الصحة الاسبق د. زيد حمزة خلال محاضرته على النظام الخاص لمستشفى الامير حمزة بالقول ان هذا النظام اضافة الى الاتفاقية التي وقعتها وزارة الصحة مع جمعية المستشفيات الخاصة والمؤسسات المستقلة، وانشاء دائرة الشراء الموحد، وتغيير نظام المجلس الصحي العالي ومحاولات تسليم رقاب الاطباء لشركات التأمين .. كلها مؤشرات تشير الى التوجه نحو خصخصة القطاع الصحي.

وقال د. حمزة: إن الحديث عن تطوير مستشفى الامير حمزة من خلال النظام غير دقيق واي تحسين يجب ان يشمل جميع مستشفيات وزارة الصحة مذكرا بمحاولات بيع المستشفى ذاته خلال السنوات الماضية.

وفي ذات المحاضرة علق وزير الصحة الاسبق الدكتور كامل العجلوني في مداخله له حول النظام الصحي الامريكي فقال: ان دراسة امريكية ظهرت نتائجها قبل اربعة اسابيع كشفت بان هناك ايضا 54 مليون امريكي من المؤمن عليهم صحيا لا يحصلون على الادوية بسبب عدم قدرتهم الوفاء بالنسبة المكلفين بها، متسائلا فيما اذا كان هناك توجه من خلف الستار لتقليص خدمات القطاع الصحي العام كي يفتح المجال على مصراعيه للقطاع الخاص ليحل محله؟ أم ان هناك طرقاً واساليب مختلفه من قبل الطرفين ؟ جرى ويجري استخدامها في السير نحو «الخصخصة» تمشياً مع «سياسة»عامة بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي.

وجزم د. زيد حمزة بوجود محاولات لخصخصة الصحة وبطرق مختلفة، ليست محلية فحسب وإنما دولية مشيرا الى ان منظمة الصحة العالمية مغيّبة عن هذا المشهد فدورها الرسمي لا يسمح لها بالتدخل في انظمة وسياسات الصحة في الدول الاعضاء حتى لو رأتها تنحرف عن مبادئها.

وقال إن الاتفاقية التي وقعت بين وزارة الصحة وجمعيات المستشفيات الخاصة مؤخرا جرى استخدامها مؤخراً من قبل الجمعية للضغط على وزارة الصحة حتى «تقدّم» لها على طبق من فضة أعدادا أخرى من المرضى أو «الزبائن» وفق تعبير القطاع الخاص وحتى لا يبدو ذلك جشعاً وطمعا بالمزيد من الأرباح قيل إن الهدف هو الإشفاق على هؤلاء المشاركين بتوفير الخدمة الأفضل لهم في مستشفياتها، وهو تمهيد لأن يأتي دور مرضى الدرجة الثالثة فتصبح وزارة الصحة معنية فقط بالرعاية الصحية الأولية أو ما يدعى خطأ بالطب الوقائي، وعندئذ ينفرط لأول مرة في تاريخ الأردن عقد النظام الصحي المتكامل.

لقمان اسكندر