دون إغفال لحقيقة وجود مصالح أميركية وقفت وراء مساعي الإدارة الحالية في البيت الأبيض العمل على التوصل إلى اتفاق مع بغداد ، وما لم يكن هناك بنود سرية تتجاوز تلك المعلنة، فإن الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة تمثل في نظرنا قدرا محدودا من الخطر على مستقبل العراق يقل بكثير عن أخطار أخرى أفرزتها عملية الغزو الأميركي للعراق بتداعياتها المختلفة.
مؤدي ذلك أن الاتفاقية تمثل في النهاية مجرد قطرة في بحر من الأخطار، ما يتطلب على عكس ما هو حاصل، تركيز الجهد على عملية تأسيس أفضل لمستقبل البلاد بشكل يحفظ لها وحدتها ويحقق هدف تجاوز الاحتقان الطائفي، العملية التي برزت بشكل ملموس فيما بعد الغزو والقضاء على نظام صدام حسين، والنهوض باقتصاد البلاد في ظل أوضاع تنذر بالخطر. وفي المجمل فإن القضية المحورية حسبما نرى تتمثل في إعادة بناء بلد فككته قوة احتلال دون أن تتمكن من إعادة صياغته حتى وفق الإطار الذي كانت تسعى إلى تحقيقه.
لا يعني ذلك بأي حال التقليل من الخلاف الحاصل بشأن الاتفاقية الأمنية أو من أهمية التحفظات على الكثير من بنودها، غير أنه يمثل دعوة إلى وضع الاتفاقية في الإطار الأشمل للصورة على صعيد ما يجري وسيجري في العراق مستقبلا، وكذلك الأخذ في الاعتبار أنها تتم بين طرفين غير متكافئين، احدهما قوي والآخر ضعيف، وهو ما لا شك يفرض نفسه على مجمل بنود الاتفاقية، وهى النظرة التي نرى أنها قد تيسر رؤية القضية بشكل يتجاوز التفاصيل التي تبعد المرء عن جوهرها.
قراءة المواقف العراقية
من هذه المقدمة ندلف إلى مناقشة أبعاد ودلالات الاتفاقية الأمنية ومواقف الأطراف العراقية المختلفة منها. رغم الضبابية التي انتابت مواقف القوى السياسية العراقية المختلفة من الاتفاقية إلا أنه يمكن الإشارة إلى أن هذه المواقف تركزت في ثلاثة تيارات قد تتداخل مواقف بعض أطرافها مع مواقف أطراف أخرى:
الأول: يعكسه المالكي وأفراد حكومته وهو تيار عمل على الترويج للاتفاقية واعتبارها إنجازا يجب التمسك به رغم التحفظات. فهي حسب المالكي بداية قوية لاستعادة سيادة العراق خلال 3 سنوات. فيما حرص وزير الدفاع العراقي على الترويج لمخاوف قد لا تكون حقيقية تتمثل في أن عدم توقيع الاتفاقية قد يؤدي إلى تعرض صادرات البلاد النفطية للخطر والأراضي العراقية إلى التعدي من قبل الدول المجاورة وإطلاق أيدي الجواسيس.
التيار الثاني : القوى السياسية الشيعية والكردية: وقد مثل تعزيزا لموقف التيار الأولى بخصوص تأييد الاتفاقية وتمريرها. وإذا كان موقف القوى الكردية بدا محسوما ولا لبس بشأنه، فإن الغموض يتعلق بموقف القوى الشيعية، بفعل المعارضة الصارخة التي جذبت الانتباه من قبل أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
وهنا فإن الحكم على هذه القوى يحسمه موقف المرجع الشيعي علي السيستاني الذي يمثل الثقل لجهة تحديد موقف شيعة العراق، حيث أعلن تأييده للاتفاقية أو عدم معارضته لها علنا. وقد عمل السيستاني على صياغة موقفه بمنطق يسوده الحذر مرة بإلقاء الكرة في ملعب البرلمان باعتباره الجهة المخولة حسم مصير الاتفاقية ، وهو له سلطة على عدد كبير من أعضائه، وبالتالي فإن الموافقة تعكس حقيقة موقف السيستاني ، ومرة بإشارته إلى أنها أفضل الخيارات بالنسبة للعراقيين.
التيار الثالث: الكتل السنية وقد أعلن أغلبها، يساندها في ذلك بعض الأحزاب الشيعية، رفضها للاتفاقية. وفي ذلك اعتبرت هيئة علماء المسلمين الاتفاقية بمثابة تمديد للاحتلال الأميركي للعراق باعتبار أن القوات العراقية لن تكون جاهزة بحلول عام 2011 لتسلم الملف الأمني في البلاد.
ومع ذلك فإن المعارضات ذابت مع التصويت على الاتفاقية في البرلمان إما لممارسة ضغوط وإرهاب على النواب من اجل الموافقة كما تشير إلى ذلك مصادر في الكتلة الصدرية، وإما اتساقا مع منطق المساومات ومن ذلك على سبيل المثال ما أشارت إليه الأنباء من أن جبهة التوافق العراقية أكبر كتلة للعرب السنة في البرلمان 39 عضوا ، رهنت موافقتها بتحقيق عدد من المطالب.
حساب الحقل والبيدر
السؤال الذي يطرح نفسه ما هو حساب المكاسب والخسائر عراقيا جراء توقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، هنا يمكن الإشارة إلى أن الاتفاقية تضع الأساس القانوني للمطلب الذي طالما دعا إليه العراقيون بمختلف قواهم ألا وهو مطلب رحيل قوات الاحتلال الأميركية. صحيح أن ذلك قد لا يكون بفعل المطالب العراقية الرسمية وإنما بفعل متغيرات تتعلق بالولايات المتحدة أساسا، إلا أنه يبقى أنه مطلب تحقق في النهاية.
وقد لعبت المقاومة العراقية دورا كبيرا في الوصول إلى تلك النتيجة بفعل نجاحها في جعل تجربة الاحتلال بالغة الكلفة على النحو الذي مثل وضعا كارثيا للولايات المتحدة، على نحو لم يعد معه هناك مفر من اعتماد هذا الخيار، الذي يمثل تحولا في موقف إدارة بوش التي طالما ظلت ترفض وضع جدول زمني محدد لسحب قواتها.
ويعزز من هذه النتيجة ، خطط الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة أوباما والتي تقوم، على أساس سحب القوات الأميركية من العراق خلال 16 شهرا. مؤدي ذلك أن الاتفاقية تحقق هدفا عراقيا أصيلا يتعلق بجلاء المحتل، وهو ما يعني أن الجهد على صعيد التفاوض بشأنها كان لا بد أن ينصرف إلى تحسين الموقف العراقي فيما يتعلق بالجوانب المتعلقة ببقية ترتيبات هذا الانسحاب وصيغة العلاقات المستقبلية بين بغداد وواشنطن، ما أخفقت فيه بقدر كبير.
فمن ناحية لم تفلح حكومة المالكي في ربط تنفيذ الاتفاقية بالاستفتاء الشعبي الذي طالبت قوى سياسية به - جبهة التوافق أساسا - ووافقت عليه الحكومة. وعلى ذلك يبدو من الغريب أن يتم البدء في تنفيذ الاتفاقية اعتبارا من يناير 2009، فيما أن الاستفتاء سيجري في يوليو المقبل.
وهو ما سيجعل منه مجرد إجراء شكلي لا قيمة له خاصة أن الاتفاقية ستكون فرضت واقعا جديدا على الأرض من الصعب التراجع عنه. ويعكس ذلك الفكرة التي أشار إليها كثيرون في معرض الجدل السائد منذ أكثر من عام بشأن الاتفاقية والتي تتمثل في أنها محاولة أميركية لشرعنة وضعها في العراق في ضوء قرب انتهاء تفويض الأمم المتحدة للقوات الأجنبية في العراق في 31 ديسمبر المقبل.
من ناحية ثانية فإنه رغم نص الاتفاقية على الانسحاب الكامل بنهاية 2011 إلا أنها حوت بنودا يمكن أن تمثل تقويضا لهذا النص بما قد يعني في النهاية إفراغه من مضمونه. ومن ذلك البند المتعلق بردع المخاطر الأمنية والذي يشير إلى مجموعة إجراءات لمواجهة أي خطر داخلي أو خارجي أمام العراق من بينها الإجراءات العسكرية، وهو ما قد يعني عودة هذه القوات إلى العراق بشكل أو بآخر.
فضلا عما أشار إليه المالكي من أنه لن تكون هناك قواعد عسكرية دائما في العراق بعد عام 2011، ما يعني بمفهوم المخالفة وجود قواعد عسكرية مؤقتة، أي عدم انفصام عرى الروابط العسكرية، ما يثير الشكوك حول مفهوم الانسحاب الأمريكي المنصوص عليه في الاتفاقيات.
شكوك حول النوايا الأميركية
من ناحية ثالثة، فإن هذا البند يقوض بندا آخر في إطار مناخ الشك بالنوايا الأميركية أشار إليه المعارضون للاتفاقية والمتعلق باستغلال العراق لمهاجمة دول الجوار. وإن كانت قراءة بنود الاتفاقية تشير إلى نصها الواضح على غير ذلك حيث تؤكد على أنه «لا يجوز استخدام أراضي ومياه وأجواء العراق ممرا أو منطلقا لهجمات ضد دول أخرى».
ومما يقلل من مخاوف المعارضين في هذا الصدد أن الولايات المتحدة على مستوى الواقع لن تعدم الوسائل التي تبرر بها تدخلها واستغلال أراضي العراق حال رغبتها في ذلك، وما عملية غزو العراق واعتراف بوش مؤخرا بخطئه في ذلك الصدد إلا نموذجا على ما نقول، فضلا عن أن البند الخاص بهذا الجانب يبدو واضحا.
ولعله مما يدلل على صحة هذه الرؤية، فضلا عن الرؤية التي ينطلق منها جوهر تناولنا، والقائمة على عدم أولوية النص القانوني على الواقع السياسي، نص الاتفاقية على اعتراف الولايات المتحدة بالحق السيادي لحكومة العراق في أن تطلب خروج قوات الولايات المتحدة من العراق في أي وقت، رغم إدراك الجميع أن هذا البند يصعب تطبيقه حتى في حال وجود حكومة عراقية ترغب في ذلك إذا تعارض ذلك مع رغبة واشنطن في أي مرحلة سواء الآن أو في أي مرحلة لاحقة حتى التطبيق الكامل لبنود الاتفاقية.
من ناحية رابعة فإن من أوجه القصور التي شابت نصوص الاتفاقية تلك المتعلقة بحصانة الجنود الأميركيين والتي جاءت بدعوى أن القانون الأمريكي يمنع خضوع الجنود لغير ولاية قانونهم الوطني وهو النظام المعمول به في كافة أنحاء العالم حيث توجد قوات أمريكية. وهو بند إشكالي يمثل حرجا للحكومة العراقية ومجالا للنيل منها ومن الاتفاقية، رغم إمكانية تبريره بأن العراق في ذلك لا يمثل نسيجا مختلفا عما درج عليه التعامل الأمريكي مع دول العالم الأخرى، بغض النظر عن التحفظ الأساسي على هذا المبدأ الذي يعطي الجندي الأمريكي معاملة تفضيلية تجعله متميزا عن غيره من جنود العالم.
على أي حال فإذا كانت الاتفاقية تغلق ملف القضية العراقية في ظل الإدارة التي بدأته، فإن العراقيين يجب أن يضعوا في اعتبارهم قدوم إدارة جديدة ذات توجهات مختلفة، وهو ما يعني إمكانية تحقيق تقدم على صعيد أهدافهم السياسية إذا تجاوزوا المشاكل الداخلية فيما بينهم واستطاعوا الاتفاق على رؤية موحدة تتعلق بمستقبل بلادهم، وذلك جانب أساسي من المعضلة العراقية في تطورها المستقبلي.
مصطفى عبد الرازق