من حق الهند أن تغضب. المجزرة البربرية التي ارتكبتها مجموعة إرهابية في عدة أماكن من عاصمتها المالية مومباي وأسفرت عن مقتل حوالي مائتين من المدنيين الأبرياء؛ أكثر من كافية لفورة المشاعر وغليانها. الجريمة مفجعة، بحجمها ودمويتها.
الضربة موجعة باستهدافها العصب. لكن مهما كبر المصاب، لا يجوز للدول أن تتسرّع. هي مطالبة بأن تبقى ردودها موزونة ومحسوبة. بعكسه، يستبدّ بالموقف الانفعال المندفع بلا كوابح. وهذا محكوم بالوقوع في خطأ الحسابات، المفتوحة على عواقب وخيمة. خاصة في الحالة الهندية ـ الباكستانية، المعروفة خلفياتها وما تختزنه من حساسيات وعوامل سريعة الانفجار وعظيمة التدمير.
قبل مرور سوى ساعات على المجزرة الرهيبة، بدأت الأصابع الهندية تشير نحو باكستان. ثم أعلنت السلطات الهندية أنها قد ألقت القبض على أحد الإرهابيين؛ وهو من الجنسية الباكستانية. وأضافت أن الإرهابيين جاؤوا من كراتشي. في المقابل، جاءت الردود الباكستانية الرسمية، من دون تأخير وعلى قدر كبير من الوضوح.
أدانت إسلام أباد وبسرعة، العملية. أبدت استعدادها للتعاون، من دون شروط. قرّرت إيفاد رئيس المخابرات العسكرية إلى الهند للمساعدة في التحقيق؛ ولو انه تقرّر لاحقاً في ضوء التصعيد، إلغاء زيارته.
يضاف إلى ذلك، عدة معطيات. منها أن باكستان نفسها تعاني من الإرهاب. مسلسل التفجيرات والاغتيالات، متواصل منذ سنوات. وضعها الأمني منهك. قواتها في شبه حرب، مع القبائل، على الحدود مع أفغانستان. في ذات الوقت تتعرّض لضغوط عسكرية أميركية.
يضاف إلى ذلك كله، أنها كانت على شفير الإفلاس الاقتصادي، لولا حصولها في آخر لحظة، على قرض من صندوق النقد الدولي بخمسة عشر مليار دولار. قصارى الكلام، أنه من المنطقي ترجيح افتراض عدم تورطها، كدولة وحكومة، في مغامرات إرهابية من هذا العيار، القادر على تفجير حرب؛ لا تبقي ولا تذر.
بالطبع لا ينفي ذلك إمكانية ضلوع جناح عسكري أو استخباراتي، باكستاني؛ في العملية. لاسيما أن هناك سوابق معروفة من هذا القبيل. ففي باكستان متطرفون. والمتداول،من زمان، أن لهؤلاء مؤيدين ومساندين، بل ومحرضين، داخل الأجهزة الأمنية؛ وأن العلاقة بين الجانبين مزمنة. لكن للساحة الهندية، أيضاً، متطرفوها.
هناك منتج إرهابي محلي في الهند. له جولات دموية مرعبة، داخل البلاد، من اغتيالات عديدة وكبيرة، إلى تفجيرات واسعة وعمليات انتحارية. وليس سراً أن هناك توترا اثنيا، بين الهندوس ومسلمي الهند. ثمة شعور بالغبن يسود في صفوف هؤلاء، بالرغم من حسنات الديمقراطية الهندية. وبالتالي، لا يصح استبعاد احتمال أن تكون العملية من إنتاج محلي. على الأقل لحين جلاء كافة جوانب الصورة.
الظن في هذه الجهة أو تلك، مشروع. لكن إصدار الحكم قبل استكمال حيثياته، مجازفة خطيرة، في أحسن الأحوال. وقد تكون باهظة الكلفة، لما يترتب على ذلك من نتائج ومفاعيل؛ ربما بلغت حدود المواجهة العسكرية. الاستعجال في مثل هذا الأمر، ينطوي على خطر قطع خطوط الرجعة. السؤال عن «من الفاعل»؟ لم يعد يكفي.
لا في هذه الجريمة الشنيعة ولا في غيرها من العمليات الإرهابية. ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا؟ الخشية، في ضوء مجريات التصعيد والردود؛ أن تكون عملية مومباي قد استهدفت أصلاً إضرام نار الحرب بين الجارين.
إما لأن المتطرفين يريدون ذلك لحساباتهم. وإما لأن هناك أطرافا أو جهات دولية تسعى إلى إغراق المنطقة في بحر من الصراعات اللا منتهية، لعلّة في نفس يعقوب.وفي هذه الحالة يقع الجاران في الفخ. لا الهند لها مصلحة في الوصول إلى هذه النقطة؛ وهي التي تنعم بنمو اقتصادي بدأ يضعها على عتبة نادي الدول الكبرى.
ولا باكستان من مصلحتها الدخول في هكذا صراع مهلك؛ وهي الغارقة بالهموم من كل صنف. وبقدر ما على الهند كبح اندفاعها التصعيدي؛ بقدر ما على المجتمع الدولي المسارعة إلى التحرك للحيلولة دون مواجهة تهدّد السلم الدولي برمته.