حينما يتم مقاربة الإسلام، في الغرب بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص، على نحو يجعله معادلا للنازية، فإن الأمر يدعو للنقاش والبحث، في محاولة للوقوف على حقيقة أبعاد تلك «الأكليشيهات المفتعلة» التي يتم تسويقها وكيفية التعاطي معها.

هذا ما كنا نتمنى أن يتم من خلال أعمال مؤتمر «الحوار العربي الألماني» الذي جمع 200 مفكر وأديب عربي وألماني. لقد كانت قضية «الإسلام وعلاقته مع الآخر الغربي».. الحاضر الغائب في فعاليات المؤتمر، حيث انه فيما لم تكن مدرجة بشكل مباشر على جدول الأعمال، جرى لمسها من بعيد خلال أعمال جلسة «الاستشراق والاستغراب».

كما سيطرت على أذهان بعض المشاركين على نحو انعكس فيما يمكن وصفه بمونولوج أو حوار عربي مع النفس، حين انتقد أحدهم التعاطي مع الإسلام في ألمانيا على النحو المشار إليه بمعادلته بالنازية، فانقض للرد عليه مشارك عربي آخر ـ وليس غربي ـ بإشارته إلى أن خروج الألمان مؤيدون لإنشاء مسجد في كولون وضد الحرب على العراق، يؤكد عدم صحة هذه النظرة.

ليس المجال هنا للانتصار لوجهة نظر على الأخرى، فإذا كان البعض قد يرى في الأولى قدرا من المبالغة، فيما قد يرى آخرون في الثانية ممارسة للعلاقة مع الآخر بالتمني، فإنه مما لا يمكن إنكاره أن هناك ما يمكن توصيفه بمشكلة في علاقة الإسلام مع الغرب ، ينبغي أن تكون موضع اهتمام على صعيد أي حوار ثقافي بين الطرفين.

وللخروج بالحديث من النطاق المرسل نشير إلى تلك المقالة القيمة لهاينر بيلفلد مدير المعهد الألماني لحقوق الإنسان حول «صورة الإسلام في ألمانيا .. حول التعامل العلني مع الخوف من الإسلام» والتي نشرت ترجمتها إلى العربية دورية «المستقبل العربي» في عدد أكتوبر الماضي، ويتناول فيها بالرصد والتحليل الدقيق والمحايد أبعاد تلك القضية في الإطار الألماني.

الصورة لن تثير أي قدر من الابتهاج أو الفرحة على صعيدنا العربي والإسلامي لكن هذا هو الواقع الذي ينبغي علينا التعامل معه. فحسب بيلفلد فإن استطلاعات الرأي في ألمانيا تشير إلى تحفظ شديد تجاه الإسلام يسود غالبية السكان، ازدادت وتيرته في السنوات الأخيرة، ويبدو أن كثير من الناس يقرن الإسلام بالأصولية والميل إلى استخدام العنف.

ووفق ما تشير إليه المقالة المذكورة وبناء على استطلاع أجري في مايو 2006 فإن 83% ممن أدلوا بآرائهم يرون أن الإسلام متعصب. فالريبة، وفق الكاتب، إزاء الإسلام موجودة بشكل عام في كل التيارات السياسية وبين مختلف أوساط المجتمع الألماني.

وهذا الموقف المتشدد، بالمناسبة ، ليس ظاهرة ألمانية خاصة حيث أن الخوف من الإسلام يسجل وفقا لتقرير نشره «المركز الأوروبي لرصد التمييز العنصري ورهاب الغريب» في نهاية عام 2006 تصاعدا في جميع بلدان الاتحاد الأوروبي.

إن رؤى بيلفلد تكاد أن تتطابق مع رؤي مفكر أخر أمريكي هو جون اسبوزيتو تلتزم أكبر قدر من الاعتدال بشأن النظر للإسلام والمسلمين، على نحو يشير إلى اتجاه غربي في النظر إلى الإسلام لا ينطلق من العداء ، غير أن المشكلة هنا ـ أشار إليها بيلفلد في مقاله بشكل عرضي ـ أن الأشخاص الذين عملوا لسنوات طويلة في سبيل النظر إلى الإسلام بطريقة محايدة يتوقفون بمرور الوقت ويستسلمون لشعورهم بأنهم لم ولن يحققوا شيئا، ما يعني بالتالي، أن القطاع العريض ينطلق من موقف آخر.

لعلنا لا نحيد عن الصواب، إذا قلنا إن العداء ـ مع الإقرار بأنه يوجد على الجانبين وإن كانت تشتد حدته في الإطار الغربي ـ قد قتل بحثا من جميع جوانبه، غير أنه يبقى ضرورة البحث في سبل تطبيق تصورات الحلول التي طرحت من قبل المعتدلين العرب والألمان والغربيين، وتلك هي المهمة الصعبة التي نأمل أن تكون موضع الحوار العربي الألماني المقبل أو أي حوار آخر من هذا النوع، في مسعى لتجاوز النظرة التعميمية سواء إلى الإسلام أم إلى الغرب.

mostafa1962@yahoo.com