فور انتهاء الهند من لملمة جراحها في مومباي، بعد مقتل وجرح أربعمائة شخص، اندلعت أعمال عنف دموية في مدينة جوس النيجيرية راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، وفرار الآلاف من بيوتهم. للوهلة الأولى قد تبدو الصلة بعيدة أو معدومة بين الحادثتين، فهذه في آسيا وتلك في أفريقيا، لكن بعض التأمل يكشف غير ذلك.

فالرابط بين الحادثتين أنهما انطلقتا من دوافع دينية، بسبب رواسب قديمة ومزمنة في العلاقة بين أبناء الدولة الواحدة. وفي الحالتين عجزت مؤسسات الدولة عن علاج الأزمة وحماية الضحايا. الصورة المشهدية لما جرى في الدولتين تكشف أن الأزمتين نشبتا لأسباب داخلية، لكن الملاحظ أيضا أنهما جزء من ظاهرة عالمية يتزايد فيها استغلال الدين كمصدر للأزمات المحلية والدولية، سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول.

وهذه الحالة تتجه إلى الاستفحال عاما بعد آخر، مما ينم على أن هناك من يسعى إلى ضرب المجتمعات والدول انطلاقا من استغلال المشاعر الدينية وتوظيفها في العلاقات والصراعات. هذا التوجه نلمسه في محاولات إذكاء مشاعر العداء بين أبناء الأديان سواء كانت سماوية أو غير سماوية، وبين المذاهب والمدارس داخل الدين الواحد، فمثلا نراه في بث مشاعر الكراهية بين السنة والشيعة، على مستوى الدول العربية وإيران، وعلى مستوى الدولة الواحدة كما في لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان.

هذا التناقض وان كان مصطنعا- في أحيان كثيرة- ينبع من محاولة تطويع الدين لخدمة أهداف استراتيجيات دولية، بهدف الانقضاض على السياسات الداخلية والخارجية للدول وإخضاعها. فكافة الدول التي تعاني من هذه المشكلة تتداخل مع مشروعات الهيمنة على العالم، بشكل أو بآخر.

وعادة ما تكون النتيجة هي نشر الفوضى بين الأطراف المستهدفة لخلخلة كثير من ثوابت الواقع، بغرض استحداث ثغرات تمكن الخارج من النفاذ إلى الداخل. وفي ذلك توظف القوى الكبرى كافة مصادر التناقض الداخلي لتحقيق أغراضها ، ولو كان الثمن مئات الآلاف من القتلى والجرحى، كما حدث في العراق.

هذه الحالة العالمية ليست مجرد ظاهرة عابرة، فقد سبق استغلالها بعد الحرب العالمية الثانية لمحاربة الشيوعية، كما استخدمت ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان. اليوم تمارس القوى الكبرى- خاصة الغربية - بتوسع استثارة المشاعر الدينية في السياق المحلي والدولي، فالدين في زمننا الحالي.

حيث التدين غير الواعي، هو المنطقة المستنفرة ذهنيا وعاطفيا والقابلة للاشتعال السريع، ومن أجل ذلك كان الربط بين الإسلام والإرهاب، ومن أجل ذلك يكون الاحتفاء بكل محاولات النيل من الأديان، بل وإضفاء الحماية على المتطاولين على المقدسات والرموز الدينية، تحت ستار حرية التعبير.

ومن أجل ذلك أيضاً تتم مقاومة كل محاولات صيانة الأديان والمقدسات من التطاول والعبث تحت ذرائع واهية، فمثلا حينما طرحت الدول العربية والإسلامية تقديم مشروعات داخل الأمم المتحدة لتجريم ازدراء الأديان تصدت لها الدول الغربية بالرفض فأفشلت المساعي.

ومؤخرا نجحت الدول العربية والإسلامية في تمرير قرار داخل لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة يدعو إلى منع ازدراء الأديان، ولكن مقاومة الغرب تسببت في صدور القرار بغير إلزام ففرغ من محتواه. وكأن هناك إصرار على إدامة هذه الحالة واستباحة الأديان في إطار نشر العداء وتكريس الكراهية.

وفي نفس سياق هذه الأغراض الإستراتيجية تأتي إصدارات تقارير الخارجية الأميركية عن حقوق الأقليات وعن الحريات الدينية. وقد نجحت هذه التقارير وما ترتب عليها من سياسات إلى حد كبير من تعبئة أبناء الشعب الواحد ضد بعضهم.

المعضلة الحقيقية ليست في وجود هذه المشروعات الخارجية، فمن الطبيعي أن يكون هناك من يتربصون بغيرهم، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في وجود أرضية داخلية خصبة قابلة للتفاعل مع الأطماع الخارجية.

وطالما بقيت هذه الأرضية على حالها فان مناعة الدول المستهدفة تتراجع دوما، مما يمكن المشروعات الخارجية من العمل في بيئة جاهزة ومواتية. والمؤسف أن دولا كثيرة من بينها دول عربية مرشحة لدخول حالة الفوضى المستهدفة بفعل توظيف التدين والمتدينين دون أي اتعاظ من الدرسين الهندي والنيجيري.