استطاعت دبي خلال السنوات الأخيرة أن تحقق حلمها بالوصول إلى العالمية، وأن تبرهن على عدم وجود مكان للمستحيل بين ثناياها. ففي العام 2005 حولت رمالها الصحراوية الصفراء إلى واحة من الثلج الأبيض، لتنعش بذلك صيفها الحار وتحوله الى شتاء بارد يشبه ذلك الموجود على رأس القمم العالية التي اعتادت على اكتساء حلتها البيضاء كل شتاء. وللوهلة الأولى قد يكون الأمر غريبا، ولكنه يتبدد بمجرد الاقتراب من «مول الإمارات» المطل على شارع الشيخ زايد في دبي، حيث يلوح منحدر «سكي دبي» الذي يعد أول منتجع ثلجي داخلي في منطقه الشرق الاوسط.

بداية الرحلة: رحالنا حطت على أبوابه، والتي بمجرد ولوجها تشعر بأن الأجواء المناخية للإمارة قد تغيرت، وأصبحت اكثر برودة، وبات يتعين علينا ارتداء الملابس الثقيلة التي هجرت خزائن ملابسنا من زمن لكي نتمكن من مواجهة البرد الذي خلفه سقوط الثلج. وما ان تجتاز الكاونتر الرئيسي الذي تستلم منه الملابس والأحذية الثقيلة حتى تجد نفسك محاطا بالثلوج البيضاء والتماثيل المنحوتة من الجليد، وبلا شك ان انشاء الواحة البيضاء قد يثير في النفس عديد الاسئلة، مثل الكيفية التي تم فيها صناعة كميات الثلج الهائلة التي تغطي أرض المنتجع، والتقنية المستخدمة للمحافظة على برودة المكان التي تصل ليلاً إلى -8 درجات مئوية في ظل أجواء دبي الحارة.

وللتعرف على التقنيات المستخدمة في المنتجع، توجهنا الى مديره، مايك ماهوني الذي قال: «يتكون الثلج في سكي دبي من الماء بذات الطريقة التي يتكون فيها بالطبيعة، والتي تتم بفضل تقنية شركة «أيسر سنو ميك سيستم» التي تنتج ثلجا طبيعيا، يشبه تماما «الثلج البري» من حيث الملمس واللون وحتى الطعم، وتعمل هذه التقنية على إسقاطه بذات الطريقة الطبيعية التي تتساقط فيها الثلوج. حيث يتم تبريد المياه النقية أولاً داخل أجهزة تبريد، ثم ترسل إلى مخارج الثلج الموجودة في السقف، وعندما يتم إطلاق المياه داخل جو المنتجع البارد، تتبلور المياه الباردة لتصنع ثلجاً. علما بأن درجة الحرارة داخل المنتجع خلال عملية تكوين الثلج تتراوح بين -7 و -8 درجه مئوية، وتسفر هذه العملية عن تكوين ثلج حقيقي كما في الطبيعة، وهذه العملية لا تتم إلا ليلا لأنها تكون غيوما بيضاء وسط المنتجع».

إعادة تدوير الثلج: عمليه صناعة الثلج في «سكي دبي» تتم يوميا، إذ يستخدم في ذلك 27 مخرجاً، وحتى يتم التأكد من وصول الثلج المستخدم الى أقصى درجات البرودة، تقوم إدارة المنتجع بإعادة تدويره من خلال حفرة صنعت خصيصا لإذابة الثلج. ويستعمل الثلج المذاب في عملية تبريد المياه المستخدمة في أنظمة تكييف الهواء في «مول الإمارات»، بالمقابل تثبت كميه الثلوج عند 6000 طن على الأقل في حالة تشغيل «سكي دبي» الذي تبلغ مساحته الاجمالية 22500 متر مربع مغطاة بالثلج على مدار العام، الأمر الذي سيذكره المؤرخون على انه ثالث أكبر قبة جبلية داخلية في العالم، فهو مزود بمنحدر بطول 400 متر، ومنحدر آخر أصغر حجما.

حيث يبلغ ارتفاع جوانبها 50,3 أمتار، وهي مخصصة لممارسة الالعاب البهلوانية، بالإضافة إلى ساحة للركوب صعودا الى أعلى المنحدر، وخمسة منحدرات متعددة الاتجاهات والانحدارات، كما يضم أكبر ساحة لعب جليدية داخلية في العالم. ولمواجهة ارتفاع درجة الحرارة، تم تصميم المبنى بطريقة ذكية تحافظ على برودة المكان وتماسك الثلج، وفي ذلك قال موهاني:

«يبلغ ارتفاع منحدر سكي دبي الذي صمم بواسطة خبراء عالميون، عن الارض 85 مترا، وهو يعتبر من أقل المشروعات استهلاكا للطاقة في المنطقة، حيث يُستخدم فيه وحدة تبريد ذات كفاءة عالية لتبريد المبنى، ولتحقيق هذا الهدف يمتد أسفل قاع الثلج 100 كيلومتر من الأنابيب التي تحتوي على مادة «الغليكول» في درجة حرارة تبلغ -16 درجة مئوية، كما تستخدم ذات المادة في وحدات التبريد الموجودة في السقف للحصول على درجة حرارة تقارب -8 درجة مئوية.

إقبال واسع

ورغم حداثته الا أنه أصبح مصدرا كبيرا للجذب السياحي في دبي، حيث استطاع منذ افتتاحه عام 2005 ان يستقطب أعدادا هائلة من الزوار الذين وصل عددهم بحسب اخر احصائية إلى ما يقارب 2 مليون شخص، في حين بلغت نسبة السياح الذين يزورونه 50% من إجمالي عدد زوار المنتجع.

ويفيد موهاني بان إدارة المنتجع كانت تتوقع عند الافتتاح استقطاب نصف مليون زائر سنوياً، الا أن هذا العدد ارتفع ليصل الى نحو 800 ألف زائر سنويا. لم يتمكن زوار المنتجع خاصة اولئك الذين يمارسون التزلج في بلادهم من اخفاء دهشتهم فور ولوجهم للمنتجع.

وهو ما يمكن قراءته في وجوههم خاصة الصغار منهم، حيث منحهم المنتجع إمكانية العيش ضمن أجواء باردة في دبي، الى جانب امكانية ممارسة هوايتهم بالتزلج على الجليد وسط الصحراء سواء بالتزلج الأفقي، أو التزلج بالألواح، أو التزلج فوق المنحدرات، أو حتى اللعب وسط الثلج.

ولا يتوقف هذا على محترفي التزلج فقط، انما ينسحب على أولئك الذين يتوقون تعلم هذه الهواية، لذلك صممت إدارته دورات تدريبية للأطفال والكبار، يشرف عليها مدربون محترفون يمتلكون القدرة على التدريب بمختلف اللغات والأساليب التعليمية، ويستطيع المتقدمون لتلك الدورات الاختيار بين الحصص الفردية أو الجماعية.

ويوفر «سكي دبي» بين جوانبه جميع الأنشطة الشتوية التي تتوافر في المنتجعات الخارجية الأخرى الموجودة في البيئات الجبلية الثلجية، وعندما افتتح كان السياح القادمون من الدول الغربية هم الذين يقومون بممارسة رياضتي التزلج الحر والتزلج بالألواح لاعتيادهم على ممارستها، بالمقابل كانت الحديقة الثلجية تعج بالزوار من دول الخليج العربي وآسيا والذين كانوا يستكشفون الثلج لأول مرة.

ولكن مع مرور الوقت، أصبح «سكي دبي» يستقبل الزوار من جميع الجنسيات سواء لزيارة الحديقة الثلجية أو المنحدر الثلجي، ويرجع الفضل في ذلك إلى المدربين المحترفين في مدرسة تعليم التزلج.

ارتفاع عدد زوار المنتجع دفع الإدارة إلى تقييم سعر التذكرة، بحيث تكون ملائمة للجميع خاصة وانه يستقبل زوارا من مختلف جنسيات العالم، وحول ذلك يقول موهاني: «لقد أخذنا في اعتبارنا الزوار من مختلف الثقافات والجنسيات، ولذلك وضعنا سعراً متوسطاً للتذكرة يستطيع الجميع تحمله، وتشمل التذكرة إمداد الزوار بالملابس الملائمة للطقس والأحذية المخصصة وجميع التجهيزات الخاصة بالتزلج».

غسان خروب