لم يستطع المشاركون في قمة مجموعة العشرين الخروج بخطة عملية واضحة لإنهاء الأزمة التي تعصف بالأسواق المالية الدولية وإنما اكتفوا بالاتفاق على مبادئ عامة يمكن وصفها بأنها خطوة أولى لتقديم قواعد تنظيمية جديدة للمالية والاقتصاد ولمنع تكرار الأزمة.

وأرجع البعض صعوبة التوصل إلى خطة محددة المعالم نتيجة لتشكيل المجموعة نفسها فهي تضم دولاً ديمقراطية ودولاً مازالت على طريق الديمقراطية ومتباينة في التوجهات، إضافة إلى أن الدول الصناعية الكبرى لم تعد تنفرد بتفوقها الاقتصادي كما كان الحال من قبل، إذ أن الدول الناشئة كالبرازيل والصين والهند واندونيسيا أصبحت تحتل مساحة كبيرة من الخريطة الاقتصادية ، وسوف يكون لها شأن من ناحية التمثيل والتصويت في المؤسسات الدولية، وهو أمر ما برح يتم تنفيذه مرحلياً.

فضلاً عن ذلك فإن هناك خلافات واضحة بين أوروبا والولايات المتحدة حيث يطالب الأوروبيون بأن تطلق القمة عملية إعادة صياغة كاملة للنظام المالي تكون بمثابة «بريتون وودز ثانية» شبيهة بالاتفاقيات التي تحكم النظام المالي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي المقابل فإن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بسلطة مالية ضابطة فوق السلطة الوطنية وفيما يتقبل الأوروبيون أن يمارس صندوق النقد الدولي هذه السلطة، فإن واشنطن متشددة للغاية بشأن سيادتها الوطنية في المجال المالي، كما أن الموقف الأميركي غير واضح في هذا الخصوص، فضلا عن أن أي قرار يتخذه بوش لن يلزم أوباما الذي يتبنى وجهات نظر مغايرة لإدارة بوش حول سبل التصدي للأزمة.

إلى جانب كل ما سبق فإنه قد يكون من البديهي الإشارة إلى أنه من غير الممكن إيجاد علاج في يوم واحد لمرض استشرى على مدار عقود من الزمن. ولكن المفارقة الحاسمة في هذه القمة هي المكسب الأميركي من نتائجها كما عبر عن ذلك الرئيس جورج بوش بأنها كانت ناجحة ومثمرة.

من خلال إعادة التأكيد على أن الرأسمالية والتجارة الحرة، مرفقتيْن بحد أدنى من القواعد المنظمة لعملهما، هما الأسلوبان الأنجح لضمان النمو وفرص العمل والحد من ظواهر الفقر. وأن التصدي للأزمة المالية الراهنة ليس بإعادة اختراع هذا النظام.. بل محاولة إصلاح المشاكل التي نواجهها، والتأكيد على أهمية مبادئ الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة. وهذا رد قوي على كل من سولت له نفسه من طرح نظام مالي جديد مختلف أو مغاير لما تقوده الولايات المتحدة .

دول الفائض ستدفع الثمن

والمتتبع لما دار في القمة حول إصلاح النظام المالي سيجد أن الدول ذات الفائض أي الدول النامية المتقدمة النمو والدول المصدرة للنفط هما وحدهما سيدفعان فاتورة إصلاح هذا النظام المعيب حيث ان تلك الدول نجحت في مواجهة الأزمات عبر تراكم الاحتياطيات الأجنبية .

إذ تصاعدت الاحتياطيات الأجنبية لديها في المتوسط إلى ما لا يقل عن 30% من الناتج المحلي الإجمالي ، حتى البلدان المنخفضة الدخل رفعت احتياطياتها لخفض إمكانية تعرضها للديون. وقد زادت الاحتياطيات من نسبة 2 إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي في الثمانينات إلى حوالي 5% في التسعينات ثم إلى نحو 12 في العقد الحالي مما زود تلك البلاد بحاجز واق أو تأمين ذاتي أكبر لمواجهة الصدمات الخارجية.

ومن ثم ستحاول الولايات المتحدة إجهاض تلك التجارب الناجحة باختلاق مبررات غير واقعية باعتبار أن هذه الاستراتيجية تنطوي على ثمن باهظ سواء بشكل مباشر في إطار التكلفة العالية للاحتفاظ بالاحتياطيات وتسعى لإيجاد قنوات لتسريب ذلك الفائض من خلال تخصيص نسبة ضئيلة من تلك الموارد للإقراض الإنمائي، خاصة وأن البلدان النامية تملك أكثر من 5 4 تريليونات دولار في شكل احتياطي رسمي.

كما يبلغ الحجم المقدر لأرصدة الصناديق السيادية للثروة قبل الأزمة الأخيرة ما لا يقل عن 3 تريليونات دولار ، وهو ما يعني أن تخصيص 1% فقط من تلك الأصول على أساس سنوي أي نحو 75 مليار دولار ، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف حجم الإقراض السنوي الإجمالي من البنك الدولي، في إمكانه إيجاد ما يعادل ضعف القدرة على الإقراض الإنمائي إذا خصصت تلك الموارد كرأسمال مدفوع في البنوك الإنمائية.

وتضمنت الخطة مقترحات عملية لتنظيم ومراقبة وضمان شفافية الأسواق المالية منها تأمين الانسجام بين معايير المحاسبة واعتماد الشفافية في الممارسات في الأسواق المالية ومراجعة تفويض وإدارة المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي للموارد المالية. واتفق المشاركون في القمة على خطة من ست نقاط لإصلاح النظام المالي الدولي وحفز النمو الاقتصادي من خلال إصلاح المؤسسات المالية الدولية مثل الصندوق والبنك الدوليين بما فيها منتدى تحقيق الاستقرار المالي الدولي الذي أنشيء عام 1999 استجابة للأزمة الآسيوية حيث فشلوا في التنبؤ بالأزمة وفي تشخيصها.

ويرجع فشل تلك المؤسسات الدولية في تشخيص الأزمة المالية الحالية والاستجابة لها بشكل فعال، حتى وقت قريب، إلى: إيمان المؤسسات المالية الدولية الراسخ بفعالية آليات التصحيح الذاتي للأسواق، وهو موقف لم يُفقد هذه المؤسسات حسن البصيرة، بعدم الانتباه إلى قصور الأسواق، فحسب وإنما جعلها أيضاً راغبة عن تشجيع دور أكبر تؤديه الدولة في تنظيم الأسواق المالية.

تركيز المؤسسات المالية الدولية على إصلاح الأسواق المالية في البلدان المدينة، أي البلدان النامية، دون أن تقوم بدور فعال من أجل إصلاح الأسواق المالية في البلدان الدائنة، أي البلدان الصناعية، وإضفاء مزيد من الشفافية عليها.

وأدت وكالات تقييم الجدارة الائتمانية دورا حاسما خلال الأزمة فقد بالغت هذه الوكالات في تقدير أدوات مالية يعتريها خلل جوهري مُساهمة بذلك في تفاقم الأزمة الراهنة. وقد آن الأوان لتخضع هذه الوكالات لعملية تدقيق وإصلاح متعمقة تفضي في نهاية المطاف إلى محوها تماما أو إخضاعها لرقابة أكثر صرامة.

إصلاح صندوق النقد

كما اتفق قادة مجموعة العشرين على إعطاء وزن اكبر لتمثيل الدول النامية في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال إصلاح حصص المساهمة والتصويت. ورغم أن الكثيرين صفقوا لمضاعفة عدد الأصوات الأساسية بمقدار ثلاث مرات أي زيادة هذه الحصة في إجمالي القدرة التصويتية من نحو 2% إلى 5% - وهي نسبة قليلة جدا إذا ما قورنت بالحصة التي بلغت 11% في العقد الأول من إنشاء الصندوق رغم أنه لم يضم في بدايته سوى 44 عضوا مقارنة بالعدد الحالي البالغ 184 عضوا -.

إلا أن هذه الزيادة شديدة التواضع إلى درجة لا يمكن لها أن تؤثر بدرجة كبيرة في الكيفية التي يعمل بها الصندوق ولكن هذه الخطوة لا تعوض سوى بشكل جزئي ما حدث مسبقا من انخفاض في عدد الأصوات الأساسية باعتبارها تشكل حصة من إجمالي القدرة التصويتية، ولا تشكل الأنصبة وحصص الأصوات سوى جانب من أحد جانبي الحوكمة في صندوق النقد.

أما الجانب الآخر فهو تكوين جهازه التنفيذي وحجمه وهو الجهاز الذي يصنع السياسات والذي لم تتناوله الاصلاحات بعد ومن ثم فالمطلوب خفض عدد الأعضاء في رئاسة مجلس الصندوق حتى يسهم في تحويل الصندوق إلى مؤسسة عالمية تتسم بقدر أكبر من الفعالية.

كما أقرت المجموعة التوصيات التي تقدم بها منتدى تحقيق الاستقرار المالي والتي تتبلور في الكشف عن المخاطر بشكل سريع وقوي وتحسين معايير المحاسبة والإقرار والتقييم بالنسبة للبيانات غير المدرجة في الميزانية وتعزيز ممارسات إدارة المخاطر بما فيها إدارة المخاطر المرتبطة بالسيولة، وإعادة النظر في مدونة قواعد سلوك وكالات تقدير الجدارة الائتمانية.

وقد حدث خلال السنوات الأخيرة تحول مهم في مجال الوساطة الائتمانية للمؤسسات المالية التي لم تخضع لرقابة الهيئات التنظيمية، ونتيجة لذلك يوجد قسط كبير من أنشطة الأسواق المالية خارج دائرة تركيز المنظمين والمشرفين ، وبناء عليه وجهت قمة العشرين دعوات إلى المؤسسات التي تؤدي وظائف مماثلة لوظائف الهيئات المنظمة لكي تخضع لشروط مماثلة من حيث الإفصاح والتنظيم .

كما سلطت القمة الأضواء على أهمية زيادة التعاون الدولي في مجال رصد القطاع المالي وتنظيمه، وهما مجالين وطنيين في الأساس لهما آثار كبيرة تتجاوز الحدود الوطنية ومن ثم كان التركيز على أهمية تحسين التنسيق والتفاعل بين القائمين على التفتيش والتنظيم والمصارف المركزية ووزارة المالية داخل البلد الواحد، إذ أن تحقيق التعاون على الصعيد الدولي لا يكون إلا على مستوى التعاون على الصعيد المحلي.

الاستثمار الأجنبي المباشر

وعكس ما يتوقع البعض فالاستثمار الأجنبي المباشر سيكون مستقراً نسبياً، لأن هذا النوع من الاستثمار يرتبط عموما بآفاق طويلة الأجل. ولا يعني ذلك أن الاستثمار الأجنبي المباشر لن يتأثر بالاتجاهات الراهنة، ولكن يصعب توقُّع الكيفية التي سيتأثر بها هذا النوع من الاستثمار .

وثمة عدد من العوامل الموازِنة القادرة على تحسين الآفاق الخاصة به حيث أُنشئ عدد من صناديق رأس المال السهمي الخاص للاستثمار في البلدان النامية، يرجَّح ألا تخفِّض الاستثمار في كل من المدى القصير والمتوسط؛ كما أصبحت صناديق الثروات السيادية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة زيادة في أصولها نتيجة ارتفاع الفوائض التجارية في عدد من البلدان، تستثمر بشكل متزايد في إطار الاستثمار الأجنبي المباشر - بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر، وحوّلت وجهة استثماراتها بشكل متناسب نحو البلدان النامية.

ويمكن للبلدان النامية أن تستفيد من زيادة استثمارات صناديق الثروات السيادية في ظل نضوب مصادر التمويل في البلدان المتقدمة؛ ويمكن أن ينطبق نفس السيناريو على الشركات عبر الوطنية من بلدان الجنوب.

ففي الوقت الراهن، لا تزال البلدان النامية توفِّر فرص استثمار مربحة، إلا أن هذه الفرص قد تنخفض إذا ما تعمّق الانكماش الاقتصادي العالمي واستمر لفترة طويلة؛ لا تزال الشركات عبر الوطنية للبلدان المتقدمة تمثل أكبر المستثمرين في البلدان النامية، ويمكنها، على غرار نظيراتها من الجنوب، أن تواصل الاستثمار بالاعتماد على ما اكتسبته من أرباح . إلا أن تعمُّق الأزمة قد يشجِّع هذه الشركات على إعادة حصة كبيرة من أرباحها إلى بلدانها.

نعمان الزياتي