رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، يحكم بلدا مليئا بالعجائب والمتناقضات. صعوبة حكمه ليست في ضخامة عدد سكانه الذين تجاوزا المليار، بل لكونه متعدد الثقافات والأعراق والديانات.. وما يخفف من صعوبة الحكم، وجود قاعدة ديمقراطية أتت بسينغ «السيخي الديانة»، وعاشت عليها الهند منذ أن أمسك دفة السلطة الراحل الكبير جواهر لال نهرو.

ولكن الحكم يزداد صعوبة عندما يتأجج الصراع العرقي، ويصبح رئيس الوزراء وهو الحاكم الفعلي للبلاد، مطالب بمعالجة هذا الصراع بحكمة وشفافية، وغالبا ما يعجز عن إيجاد العلاج فتزداد الأمور احتقانا.

هذا هو قدر كل من يتولى السلطة في الهند. سينغ يدرك هذه الحقائق. وما يثقل من مهمته أنه يجلس على مقعد راح ضحيته اثنان بسبب الطائفية .. انديرا غاندي اغتيلت عام 1984 وابنها راجيف عام 91. وشبح اغتيالهما.. بالتأكيد لا يغيب عن سينغ.

ثم ها هو الإرهاب يكشر عن أنيابه بقسوة أمام سينغ ويطارد حكومته منذ أن تولى السلطة في ربيع 2004. قبل جريمة مومباي، شهدت حكومته سلسلة جرائم إرهابية كبرى بدأت بمسلسل القنابل في العاصمة دلهي في خريف 2005، ثم تفجيرات مومباي في صيف 2006 وأودت بحياة 190 هنديا، وتفجيرات حيدر أباد الصيف الماضي.

سينغ على يقين بأن عاصفة الإرهاب تهب على حكومته من حين لآخر. وفي عيد الاستقلال في منتصف أغسطس أقر بأن التحديين الرئيسيين للهند هما الإرهاب والتطرف. وكالعادة.. يرى أن هذا الإرهاب وارد من خارج الحدود. وصرح عقب هجمات مومباي بأنه سيبلغ دول الجوار بقوة «ان استخدام أراضيهم لشن هجمات ضدنا لن يغتفر وأنه سيكون هناك ثمن إذا لم يتخذوا إجراءات مناسبة».

لم يذكر سينغ اسم أي دولة من دول الجوار، إلا أن ما يقصده بالطبع هو باكستان الجار الذي دخل معه في ثلاث حروب دامية وكثيرا ما تتوتر العلاقات بين البلدين ولاتستقيم على استقرار على مدى 60 عاما. وللحق .. فان سينغ لم يتطاول على باكستان منذ أن تولى الحكم. في أول تصريح له بعد تنصيبه قال « نريد ان نقيم علاقات ودية جدا مع جيراننا ومع باكستان بشكل خاص اكثر من أي بلد آخر.. ومن الضروري جدا البحث عن كل ما من شأنه القضاء على مصادر التوتر معها».

وتلك كانت أولى معالم برنامج سياسته الخارجية. باكستان . من جانبها، تسعى باكستان إلى التقارب مع الهند ، ولعل هذا ما كشفت عنه تصريحات مسؤوليها وعلى رأسهم الرئيس آصف زرداري. ووزير الخارجية شاه محمود قريشي الذي قال «نحن نواجه عدوا مشتركا وعلينا أن نتكاتف لهزيمته».

ويمكن القول بأنه إذا كان أمر الإرهاب يتعلق بالطائفية، فالرجل ينتسب لأقلية هي السيخ وبحكم أنها تشكل 2% فقط من سكان الهند فمن غير المعقول أن يستقوي على الطوائف الأكبر ( الهندوس والمسلمون). بل انه اتهم أوائل هذا العام مجموعة من المنتمين للسيخ خارج الهند بمحاولة إحياء التنظيمات المسلحة في البنجاب. (كان عشرات الآلاف قد قتلوا عندما أطلق السيخ حركة عصيان مسلحة في الولاية عام 1983).

سياسة سينغ أيضا ومنذ أن تولى الحكم، تدعو الى الوحدة الوطنية، رافضا الانقسامات الدينية. وبالتالي فهو لا يحمل عداوة لطائفة من الطوائف. بل يأمل أن تنهار الحواجز بينها. ولكن ماذا وراء هجمات مومباي؟

البعض يرى أنها استهدفت إحباط محاولات التقارب بين الهند وباكستان أو تقويض الاستقرار بما في ذلك المسيرة الاقتصادية في ظل الأزمة العالمية قبل الانتخابات المزمع إجراؤها على امتداد البلاد. على أي الأحوال .. أثبتت اعتداءات مومباي وجود ثغرات أمنية خطيرة، وهو ما دفع وزير الداخلية إلى الاستقالة.

وتتحمل حكومة سينغ المسؤولية. خاصة وأنه حذر بعد هجمات دامية وقعت في نيودلهي قبل شهرين من تلك الثغرات . سينغ أمام اختبار صعب ويعلق الخبير الأمني الهندي اوداي بهاسكر قائلا : «إذا لم نستيقظ الآن، فلن يبقى لنا إلا خفض رؤوسنا خجلا من العار».

حسن صابر