مع تأكيد نيودلهي أن جميع المسلحين الذين اشتركوا في الهجمات الأخيرة على عدة مواقع في مدينة مومباي مواطنون باكستانيون تدربوا في جزيرة باكستانية، وأنهم جميعا قدموا من مدينة كراتشي الباكستانية،تدخل قضية التفجيرات التي وقعت في المدينة مؤخراً مرحلة جديدة تنذر بوصول العلاقات بين البلدين إلى أسوأ أوضاعها على النحو الذي قد لا يتم معه استبعاد نوع من المناوشات الصعب التنبؤ بما قد تؤول إليه.
وعلى هذا فإن لنا توقع أن تمر المنطقة بمرحلة من عدم الاستقرار في ظل تأزم علاقات الهند وباكستان على نحو قد لا يخدم الطرفين بقدر ما قد يسهم في تحقيق أهداف قوى أخرى من خارج المنطقة تسعى الى فرض هيمنتها عليها. وإذا كانت التفجيرات والعمليات الإرهابية التي تواجهها الهند لا تعد أمرا جديدا بالمرة فإن الهجمات على مومباي هذه المرة تكتسب خصوصية لعدة أسباب يأتي على رأسها الشمولية التي وسمت طبيعة الأهداف المستهدفة من العملية، حيث أنها لم تقتصر على هدف محلي واحد وإنما عدة أهداف جمعت بين المحلي والدولي.
فمن ناحية مثلت هجوما استهدف مدينة تحتل موقعا مهما على خريطة المال والاتصالات الحديثة والنمو الاقتصادي في الهند والتي باتت توازي في الأهمية كلا من نيويورك ولندن وغيرهما، على النحو الذي جعل الكثيرين يشبهون الهجمات بتلك التي وقعت على الولايات المتحدة واعتبارها حسب هؤلاء النسخة الهندية من سبتمبر الاميركية، ما قد يحمل قدرا كبيرا من المبالغة لا شك أنه يعكس أهدافا معينة .
وعلى مستوى الهدف المباشر فقد تمثل في أرقى فندقين في المدينة ما يشير إلى أن المسلحين استهدفوا الغربيين الذين يزورون الهند. ومن خلال المتابعة التفصيلية لمسار الأحداث يبدو أن العمليات استهدفت بشكل أساسي مواطني الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث كان المسلحون يبحثون خلال الهجوم عن حملة الجوازات الاميركية والبريطانية، فضلا عن استهداف مصالح إسرائيلية الأمر الذي انعكس في اقتحام مركز يهودي في المدينة واحتجاز من فيه.
من الأهداف إلى التكتيك فإن الجديد في الهجمات هو تنفيذها بالهجوم بالأسلحة النارية بدلا من التفجيرات وهو أسلوب يرجعه البعض إلى جماعة الفدائيين التي تحارب في القطاع الذي تديره الهند من كشمير.
استقرار هش
في محاولة لرصد أبعاد عمليات مومباي وتأثيراتها المحلية والإقليمية والدولية نؤكد على أنها تدخل بالمنطقة في نفق مظلم قد يأتي تماما على استقرارها الهش. وإذا كان الملمح العام للموقف الهندي هو التشدد والتسرع في توجيه الاتهامات فإن ذلك يشير لنا الى أن البيئة مهيأة للاحتكاك والتوتر.
فمن ناحية فإنه حال ثبوت صحة قيام جماعة إسلامية محلية بالعمليات فإن ذلك لا شك سيلقي بتأثيرات بالغة السلبية على وضع المسلمين في الهند والذين قد يتعرضون لهجمات جديدة بفعل اتهامهم بالإرهاب، وهو ما يعني إذكاء نار الحرب بين المسلمين وبقية الهنود.
ورغم عدم توصل التحقيقات إلى شيء مؤكد حتى الآن حتى على صعيد أهداف العمليات التي قد لا تتوازى مع ضخامتها ما يثير الشكوك حول من يقف وراءها بالتحديد، إلا أن الاتهامات المعلنة تطال جماعة تطلق على نفسها اسم «مجاهدي الدكن» تسعى إلى إطلاق كل المجاهدين المحبوسين في الهند، وهو الهدف الذي يبدو غامضا. فيما تذهب ترجيحات أخرى الى وقوف جماعة «عسكر طيبة» وراء الهجمات وهى إحدى الجماعات التي تشن حربا ضد السيطرة الهندية في إقليم كشمير المتنازع عليه.
والمشكلة تتمثل فيما يشير إليه البعض من أن الجماعة تتخذ من باكستان مقرا لها رغم حقيقة أن مشرف حظرها في أعقاب الضغوط التي تلت هجمات 11 سبتمبر، حيث أعادت الجماعة تسمية نفسها باسم جماعة الدعوة للتحايل على حظر الحكومة الباكستانية.
أما على صعيد العلاقات الإقليمية فيما بين الهند وباكستان فإن ذلك يبقى هو الجانب الأهم من هذه الهجمات وتأثيراتها، حيث يهدد بعودة هذه العلاقات إلى المربع الاول، في ضوء التسرع الهندي بتوجيه الاتهامات إلى باكستان بالضلوع بشكل أو بآخر، مباشر أو غير مباشر في الهجمات.
حيث راح رئيس الوزراء الهندي يشير الى أن الهجمات تمت بفعل عناصر قدمت من خارج الهند، في إشارة غير مباشرة إلى باكستان، فيما سارع وزير الخارجية الهندي الى مطالبة باكستان بتفكيك البنية التحتية التي تدعم المتشددين، هذا فضلا عن تأكيد الجنرال اركيه هودا الذي قاد العملية العسكرية أن الباكستانيين وراء الهجمات وإن جعلوها حسبة تبدو وكأنها أتت من داخل الهند.
كبش فداء
وتشير النظرة المتأنية إلى ضعف التفسير الهندي المتعلق بالاتهامات الموجهة لباكستان، على نحو لا يجعل من الأخيرة سوى كبش فداء وهدفا سهلا لتبرير فشل الاستخبارات الهندية في التنبؤ بالهجمات. فمن ناحية فإن الهجمات تأتي في وقت تحاول فيه الدولتان تحسين العلاقات فيما بينهما . فضلا عن ان الأوضاع السياسية الجديدة القائمة في باكستان وبفعل طبيعة توجهات قيادتها ممثلة في الرئيس آصف زرداري تعزز من تقويض هذه التهمة في ضوء توجهاته بالغة السلامية تجاه نيودلهي.
وقد حاولت القيادة الباكستانية دفع التهمة من خلال التأكيد على التعاون والتعامل بصرامة حال ثبوت تورط أفراد باكستانيين أو جماعات باكستانية في الهجمات وهو الأمر الذي تم على لسان زرداري . كما راح وزير الخارجية الباكستاني يؤكد في الوقت ذاته على الاستعداد لمواجهة أي مجموعة متمركزة على أرضها إذا اشتبهت الهند بضلوعها في العمليات. ولعله مما يقوض التهمة كذلك أن الهند دأبت على اتهام المخابرات الباكستانية بالوقوف وراء أي هجمات تقع ضدها.
منطق واه
وأما عن الإشارة إلى أن باكستان كانت تعمد إلى دعم جماعات كشميرية بما يخدم سياستها فيمكن القول إن ذلك يدخل في عداد الماضي في ضوء العديد من التطورات التي لحقت بالسياسة الباكستانية على مدى السنوات الأخيرة والحقائق التي فرضت نفسها عليها سواء إقليميا أم دوليا.
ورغم ذلك فمن المرجح أن يتصاعد سيناريو اتهام باكستان على نحو قد يهدد بدخول الدولتين مرحلة من مراحل المواجهة وفي ذلك فقد أشارت الأنباء إلى أن نيودلهي وضعت سلاحها الجوي في حالة تأهب، في ذات الوقت الذي لوحت فيه باكستان بسحب قواتها من الحدود الغربية مع أفغانستان ووضعها في حالة تأهب على الحدود الشرقية مع الهند . ولا شك أن أي محاولة للتصعيد في هذا الصدد ستكون بالغة الخطورة، حيث قد تدفع الدولتين النوويتين الى المواجهة العسكرية.
يبقى التساؤل حول موقع القوى الدولية من تأثيرات الهجمات وتتحدد هذه القوى بشكل رئيسي في الولايات المتحدة. من المثير للتساؤل هنا ذلك التقرير الذي يعود إلى الاستخبارات الاميركية لأوائل الشهر الماضي وتوقع حدوث هجمات إرهابية واسعة النطاق بمواد كيماوية وبيولوجية وبدرجة أقل نووية. يطرح هذا التساؤل حول مدى علم واشنطن بمخططات الهجمات؟
ومع استهداف أميركيين وسط تسويق غربي ورد على لسان وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا في الأساس لفكرة احتمال ضلوع القاعدة في الهجمات سواء من خلال الدعم اللوجسيتي أو المالي، فضلا عن الإشارة إلى اصطباغ العمليات بطابع القاعدة، يبدو من الطبيعي توقع أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الانهماك الاميركي في التطورات التي ستعقب العمليات.
وعلى ذلك فقد بادرت واشنطن على الفور بإرسال عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي وخبراء المفرقعات إلى مومباي، فضلا عن احتمال قدوم وزيرة الخارجية رايس للبحث في تطورات الأزمة وتأثيرها على علاقات نيودلهي وإسلام آباد.
حساب المكاسب والخسائر
هنا وفي مجال حساب المكاسب والخسائر من التفجيرات فمن المرجح أن تتعامل نيودلهي بنفس منطق إدارة بوش في التعاطي مع أحداث سبتمبر وتحولها إلى وسيلة لتحقيق مكاسب إقليمية ودولية. وعلى ذلك فلا شك أن الهند ستعمل على الاستفادة من الهجمات لتحسين موقفها في مواجهة باكستان على صعيد بعض القضايا الخلافية، والتي قد تصل إلى حد طي ملف قضية ذلك الجزء من كشمير المتنازع عليه والذي تحتله الهند.
أما على مستوى الولايات المتحدة فرغم المخاوف من وصول الأزمة إلى مستوى النزاع المسلح بين حليفين ، الأمر الذي قد يكون في غير صالحها، إلا أنها قد تستغل الهجمات للدفع في ذات الاتجاه الذي تسعى إليه الهند، وإن على خلفية مواقف وأهداف أخرى مختلفة.
فواشنطن المتورطة في أفغانستان والتي تبحث عن مخرج من هناك دون أن تجد مساعدة من حليفها باكستان، قد تجد في الهجمات مبررا لمزيد من الضغط على إسلام آباد من أجل تلجيم وضبط منطقة الحدود مع أفغانستان، بفعل الوضع الحرج الذي تجد باكستان نفسها فيه بين فكي كماشة على حدودها الغربية والشرقية، ما يعني في التحليل الأخير أن هذه الأخيرة قد تكون الطرف الذي سيكون عليه تقديم استحقاقات الهجمات أيا كانت.
إضاءة
حسب تحليلات عديدة فإن زرداري يدرك فوائد العلاقات مع الهند لا سيما أن بلاده تعيش هذه اللحظة على قروض صندوق النقد وهي في حال التطبيع مع الهند ستجني فوائد اقتصادية جمة ما دفعه إلى رفع التأشيرة على الرحلات بين البلدين وإعلان أن بلاده لن تكون البادئة باستهداف الهند بالصواريخ.
كما أن باكستان ذاتها تخوض حربا شرسة على الإرهاب وتتعرض لهجمات واعتداءات إرهابية دامية، على نحو يكشف عنه ارتفاع ضحايا العمليات الإرهابية التي تواجهها منذ يوليو 2007 إلى 1400 شخص في أسوأ موجة للعنف تشهدها البلاد، الأمر الذي انعكس في تأكيد إسلام أباد على أنها والهند يواجهان عدوا مشتركا.
مصطفى عبد الرازق