من واقع مسيرته الحياتية نستشف مدى إصرار ضيفنا يوسف الكعبي على أن تكون له مكانته في الواقع المهني والفني رغم الظروف الصعبة التي مر بها، فحتى عام 1990 كان طالبا متفوقا يشق طريقه نحو المرحلة الجامعية، لكن حادث سيارة راح ضحيته والداه فوجد نفسه فجأة مسؤولا عن أشقائه ومن بينهم صغار يحتاجون لرعاية.
من هنا بدأ الكعبي مشواره الصعب مع الحياة، التحق بمدرسة الشرطة بالشارقة وخضع لعدة دورات ثم تم توزيعه ضمن خفر السواحل في دبي ونقل بعدها إلى خورفكان، وبعد رحلة مع خفر السواحل التحق بكلية الشرطة في أبوظبي وتخرج منها برتبة ملازم وانضم إلى قسم مسرح الجريمة عام 2005 بعد أن قضى 16 عاما في وزارة الداخلية، وعلى الجانب الآخر تبرز مواهب الكعبي الفنية كممثل مسرحي له أدواره المتنوعة مع مسرح خورفكان ويشغل الآن رئاسة مجلس إدارته، وما بين الوقوف على خشبة المسرح ممثلا وبين عمله في مسرح الجريمة بشرطة أبوظبي حياة حافلة بالمشقة والإصرار على النجاح، لكنها أيضا تحمل في طياتها ابتسامة رجل يعرف كيف يخرج من الأحزان بأقل الخسائر.
ولد يوسف الكعبي في نهاية الستينات بمنطقة شرق خورفكان في أحضان الجبال ورمال الأودية، وعن هذه البدايات يقول: لا شك أنني كنت محظوظا أن أولد في هذه المنطقة الجميلة النقية، ومن المؤكد أن للبيئة التي تربيت فيها وللطبيعة الجبلية أثرها في أدائي أدوار البطولة وفي تشكيل شخصيتي، وبالعودة لهذه الطبيعة أرى نفسي طفلا مع أقرانه يصعد إلى قمم التلال ويدحرج الحجارة وإطارات العربات الكبيرة كنوع من الألعاب التي كنا نمارسها كثيرا، وأذكر أننا كنا نشاكس الكبار الذين يلعبون كرة القدم أسفل القمم الجبلية ونقوم بدحرجة الإطارات ونقطع عليهم الاندماج في اللعبة، وكان يصعب عليهم الإمساك بنا لأننا نعرف كيف نهرب بين التلال ونختبئ خلف الحجارة الكبيرة، ولأن المنطقة قريبة من البحر فقد كان للسباحة وقتها ولا أظن أن أحدا من شباب خورفكان أو المنطقة الشرقية بصفة عامة لا يعرف السباحة، وكان للصيد أيضا نصيب من الممارسة ولكن ليس كالسباحة، وما أذكره عن تلك الفترة أن احترام الكبار كان أمرا واجبا تماما ولا يستطيع أحدنا أن يرفع عينيه في وجههم، وكنا ننال العقاب في الحال منهم إذا أخطأنا ودون أن يرجعوا إلى آبائنا، فالتربية كانت مهمة عند جميع كبار المنطقة تجاه الصغار، والحق أن جيلنا كانت تكفيه النظرات فقط ليسلك الطريق الصحيح، فقد كنا حريصين على الصلاة في المسجد، وأذكر أننا في رمضان كنا نجلس في المسجد من بعد صلاة العصر وحتى قبيل أذان المغرب، فإذا أذن المؤذن نركض ناحية بيوتنا صائحين بصوت عال «أذن المغرب»، وكانت صيحاتنا تتوالى وكأنها إعلان عن أمر مهم، وهذه كانت مهمتنا لأن مكبرات الصوت لم تكن موجودة في ذلك الوقت.
ويضيف الكعبي: كانت الحياة بسيطة للغاية آنذاك، والناس طيبون للغاية يتعاونون مع بعضهم البعض وكأنهم أسرة واحدة، يجتمعون في الأفراح والأتراح فلا يعرف الغريب لمن المناسبة، ومن فرط طيبة الناس في ذلك الوقت أن حدثت مفارقات مضحكة كثيرة، ففي أحد الأيام كنا عائدين من المدرسة ولم نجد أحدا من الأهالي في البيوت، وبعد لحظات شاهدناهم قادمين يحملون «الجدور» الكبيرة الممتلئة بالبرتقال ويصيحون فينا أن نفعل مثلهم، والذي حدث أن مركبا باكستانيا محملا بالبرتقال قد غرق قرب الساحل، وطفت على الماء حبات البرتقال بلونها الأصفر في مشهد لا ينمحي من الذاكرة، أما المفارقة الأخرى فكانت في انتشار شائعة أن المنطقة ستتعرض لزلزال قوي، وأعلن المنادي على الأهالي بالخروج إلى الخلاء ومعهم مقتنياتهم الثمينة، وراحت كل عائلة تحفر حفرة وتضع فيها المجوهرات والنقود وقضت في المكان ليلتها، وبالفعل صدرت أصوات انفجارات قوية هزت المكان، لكنها في الأصل كانت لتفجيرات الديناميت لزوم أعمال البناء في ميناء خورفكان.
بدايتي مع الدراسة كانت في مدرسة الخليل بن أحمد، وبالنسبة لنا نحن الجدد كان أول يوم صعبا علينا، كنا خائفين من التجربة خصوصا عندما لبسنا البنطال بحمالاته الشهيرة، لكن بعد أيام تعودنا وساهمت في ذلك طيبة المعلمين الذين حببونا في التعليم وفي المدرسة، كنت متفوقا في اللغة العربية التي أحببتها من خلال مدرسها الذي كنت أحمل له دفاتره، وكان هذا نوع من تقدير المدرس لمن يقربه منه.
وكان لمدرس اللغة العربية فضل كبير في إتقاني للغة واختارني أيضا ضمن فرقة التمثيل المسرحي وقدمنا العديد من المسرحيات القصيرة ضمن النشاط المدرسي، وهذه التجارب الأولية جعلتني أقترب من الفن المسرحي.
مما أدى لانخراطي فيه بعد ذلك، لكنني أتوقف بإجلال لمدرسينا الأوائل الذين كانوا يتواجدون معنا في المدرسة وفي المسجد وفي المجالس ويوجهوننا إلى الطريق المستقيم، فهم لم يتوقفوا عند مهمة تعليمنا بل كانوا يحلون مشاكلنا أيضا، مع العلم أن الوزارة في ذلك الوقت كانت تعطي للمدرس «مؤشرا» شبيها بالعصا ليعاقب المقصرين، ومن يضرب منا في المدرسة لا يستطيع إخبار والديه.
في مدرسة الخليل بن أحمد نفسها أنهيت المرحلة الإعدادية والثانوية، وكنت أنوي إكمال تعليمي الجامعي لولا وفاة والدي ووالدتي في حادث سيارة عام 1990، حينها وجدت نفسي مسؤولا عن أخوتي، تحاملت على أحزاني والتحقت بمدرسة الشرطة في الشارقة وخضعت لعدة دورات، وتم توزيعي بعد ذلك للعمل ضمن خفر السواحل بدبي، وبعدها تم نقلي إلى خورفكان.
وفي أحد الأيام طلب مني أحد قادة خفر السواحل بدبي أن أكون قائدا لدورية في دبا فتقدمت لها وأنا لا أعرف كيف أقود الطراد، كانت مغامرة لكنها تكشف عن طموحي لأن أصبح شيئا مهما، عملت حادثاً بالطراد في أول مأمورية لكنني بعد ذلك تدربت لمدة شهر وأصبحت جديرا بالقيادة وضبطت 22 متسللا، وأثناء تكريمي عرفت بأن القائد كان لديه علم بالحادث لكنه أمر بإتاحة الفرصة أمامي مادامت لدي الرغبة القوية في التعلم.
بعد ذلك التحقت بكلية شرطة أبوظبي وتخرجت منها برتبة ملازم، وعملت بقسم مسرح الجريمة وفيه أقوم بجمع الأدلة من مكان الحادث وأحاول معرفة ما إذا كان وراؤها جناة وكيف نفذت الجريمة، وقد استفدت كثيرا من مجال عملي في ابتكار أفكار جديدة نقدمها على خشبة المسرح.
أما المسرح نفسه فقد بدأت علاقتي به عام 1979 مع مسرح خورفكان، وقدمت أعمالا كثيرة أذكر منها مسرحية «قردوس» و«يامال» و«عطس وفطس»، ومع المسرح الحديث قدمت «المواطن عنتر» و«بو مفتاح في المجلس الوطني» ومع مسرح الشباب القومي قدمت «أغنية الأخرس»، وبداية النجاح كانت مع مسرحية «غربان في الجزيرة» تأليف ناصر كرمالي وإخراج مرعي الحليان وقد حصدت المسرحية 6 جوائز.
حياتي الاجتماعية بسيطة، تزوجت عام 90 بعد وفاة والدي حتى تساعدني الزوجة في تربية إخوتي، وزوجتي هي بنت عمتي وقد تحملت معي الكثير، ولأنني لم أكمل تعليمي حرصت على أن تكمل هي تعليمها إلى أن تخرجت مهندسة من جامعة الكويت، ولدي ثلاثة أولاد محمد وعبد الله وعبد اللطيف واشتريت لهم الخيول لأنهم يعشقونها.
وعن ذكرياته مع صديق طفولته يقول جمال الجسمي: لا شك أن شهادتي مجروحة في صديق زميل الدراسة وصديق الطفولة يوسف الكعبي، فنحن تربينا سويا ولم تنقطع صلتنا حتى الآن، ومن أيام الدراسة أذكر أنه كان مشاغبا وكثير الحركة ويحب المرح طوال الوقت، وعلى قدر خفة ظله إلا أنه كان وقت الجد يظهر تماسكا ورباطة جأش أحسده عليهما.
وعندما كنا سويا في معسكر التطوع عام 90 وقت غزو الكويت توفي والداه في حادث سيارة أليم، لكنني لم أستطع الخروج معه والوقوف إلى جانبه بسبب الأحداث آنذاك، لكنه تعالى على أحزانه وتحمل مسؤولية أشقائه وقام بواجبه تجاههم على أكمل وجه، وأنا أتمنى له دوام التوفيق والنجاح.
ويقول علي عبد الله : الكعبي من الشخصيات الجميلة التي عرفتها فهو إنسان دائم التواصل مع أصدقائه، وبار بأسرته وأعتقد أن ما فعله مع أشقائه بعد وفاة والديه خير دليل على ما أقول، فقد رباهم كما يربي الآن أولاده ولم أره يميز بينهم في المعاملة، وأرجو من الله أن يجازيه خيرا على ما فعل، أما أيام الدراسة والطفولة فكانت شقاوة ومشاكسات.
ومعروف عن يوسف أنه كثير المقالب لأصدقائه، وكثيرا ما كان يعزمنا على الإفطار ويجعلنا نسبقه إلى المطعم الهندي ونطلب ونأكل بانتظار أن يلحقنا ويدفع الحساب، لكنه أبدا لا يأتي، بل ويتنصل من وعوده بكل سهولة، وكم من مرة اشتكى علينا الهندي عند آبائنا، وهكذا كان مشاغبا يحب الفكاهة وهو بالفعل محبوب من الجميع.
إضاءة
بعد حصوله على الشهادة الثانوية ولظروف عائلية صعبة التحق يوسف الكعبي بمدرسة الشرطة في الشارقة عام 1990 وخضع لعدة دورات ثم تم ضمه لمجموعة خفر السواحل في دبي ونقل بعدها إلى خورفكان، وبعد رحلة مع خفر السواحل التحق بكلية الشرطة في أبوظبي وتخرج منها برتبة ملازم وانضم إلى قسم مسرح الجريمة عام 2005 بعد أن قضى 16 عاما في وزارة الداخلية.
وعلى الجانب الفني فهو ممثل مسرحي شارك في مسرحية «قردوس» و«يامال» و«عطس وفطس» و«المواطن عنتر» و«بو مفتاح في المجلس الوطني» و«أغنية الأخرس» ومسرحيات أخرى عديدة، وإلى جانب عمله كضابط في شرطة أبوظبي يترأس الآن مجلس إدارة مسرح خورفكان، متزوج منذ عام 1990 وذلك عقب وفاة والديه حتى يلم شمل إخوته وأنجب ثلاثة أولاد، وإلى جانب هوايته الأولى في المسرح تبقى هواياته الأخرى مثل السفر كما انه يعشق الخيل.
عز الدين الأسواني