مع تفاقم ظاهرة القرصنة في البحر الأحمر والتي اتخذت منحنى تصاعدياً خلال العام الجاري، وصل ذروته خلال نوفمبر الحالي، راحت الأنظار تتجه إلى البحث عن الأسباب التي تقف وراء انتشار هذه الظاهرة التي تبدو غريبة على المجتمع الدولي إزاء تأثر مصالح العديد من الأطراف الدولية جراء تلك الحوادث.
وإذا كان من الطبيعي الإشارة إلى تعدد الأسباب التي تقف وراء القرصنة على النحو الذي تم الإشارة إليه في الصفحات السابقة من «مدارات ساخنة»، فإنه يمكن القول ان الأزمة الصومالية والتي تدور فصولها منذ أكثر من 17 عاما تعد من الأسباب المحورية في هذا التطور.
وتؤكد نظرة على الواقع الصومالي في الوقت الراهن هذا الطرح، حيث يشهد الصومال أزمة سياسية وأمنية طاحنة تعتبر الأسوأ منذ تدهور الأوضاع في البلاد عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد سياد بري عام 1991 على نحو دخل بالبلاد في نفق مظلم كانت سمته الأساسية عدم الاستقرار الذي تواصل على مدى السنوات العديدة الماضية.
وقد انعكست تلك الحالة في اتساع حالة التشرذم السياسي في البلاد. انعكس ذلك الوضع بدوره في حالة بالغة من الضعف لحقت بالصومال ارتقت إلى حالة فوضى كان من الطبيعي معه، إزاء موقع الصومال كمنفذ رئيسي على منطقة بحرية بالغة الحيوية، أن تشق القرصنة طريقها إلى الوجود باعتبارها طريقا سريعا للثروة.
ضعف الحكومة وتفشي الظاهرة
وقد أكد هذا المعنى رئيس الوزراء الصومالي نور حسن حسين حين أشار إلى أن الأزمة الحالية في بلاده لها دور كبير في تفشي ظاهرة القرصنة وأنها أثرت سلبا على وضع المنطقة بأسره، وتنعكس الأزمة وفقا للمسؤول الصومالي في عدم قدرة الحكومة على التصدي لعمليات القرصنة.
وعلى ذلك فإن السؤال الذي ينبغي محاولة الإجابة عنه هو إلى أي مدى يمكن لنا أن نتوقع جهدا ملموسا على هذا الصعيد؟ لعل المتابعة الدقيقة للأزمة الصومالية تشير إلى أن ذلك السيناريو يبدو ضعيفا لعدة أسباب، فيما يعكس ما نراه حقيقة أخرى تتمثل في رغبة قوى دولية معينة تأزيم الأوضاع إلى الحد الذي يمثل ذريعة للتدخل على النحو الذي يمكن لها معه إحكام قبضتها على المنطقة.
أسوأ من دارفور
إن النظرة المحايدة للموقف تشير إلى غياب جهد دولي فعال لإنهاء الأزمة على خلاف ما جرى بذله في مناطق أخرى ساخنة من العالم رغم حقيقة ما أشار إليه منسق المساعدات الإنسانية بالمنطقة مارك بودن من أن الصومال تواجه وضعا أسوأ من وضع دارفور. على العكس فإن التدخلات الدولية تفاقم الأزمة وهو ما أشار إليه تقرير معهد الدراسات البريطاني شاثام هاوس بتأكيده أن التدخل العسكري الإثيوبي والأميركي في الصومال دمر الاستقرار الهش الذي كان قائما وأعاق الجهود الدولية لتحقيق السلام هناك.
وحسب التقرير فقد كانت هناك جهود حقيقية تبذل من قبل أطراف متعددة لدعم إعادة الإعمار وإعادة التأهيل في الصومال وقد توقفت هذه الجهود بسبب الأعمال الأحادية التي قامت بها أطراف أخرى دولية وخصوصا أثيوبيا والولايات المتحدة التي تنفذ برنامجها الخاص في السياسة الخارجية.
وفي ذلك الصدد أشار التقرير إلى أن تشكيل حكومة صومالية انتقالية مطلع عام 2007 بدعم من أثيوبيا وكذلك نشر قوة سلام تابعة للإتحاد الإفريقي كانت كلها أعمال «تحريضية بامتياز».
ويعزز هذا التصور متابعة الجهود المبذولة للتوصل إلى مصالحة سلمية في البلاد، فالأمم المتحدة ترعى منذ أشهر مؤتمرا للمصالحة تتواصل أعماله في جيبوتي لكن الخلافات بين الفرقاء الصوماليين جعلت المفاوضات غير ذات جدوى.
ومن الواضح أن جهود المنظمة الدولية على هذا الصعيد تفتقد الوسيلة التي يمكن من خلالها الدفع تجاه فرض التوافق بين هؤلاء الفرقاء على نحو يجعلها لا تتجاوز مناشدة المتنازعين نبذ خلافاتهم وتوحيد الجهود لما فيه صالح شعبهم وبلدهم. ويصب في هذا الاتجاه كذلك موقف الإيغاد (الهيئة الحكومية لتنمية دول شرق إفريقيا) رغم اللهجة الحازمة التي اتخذها وزراء خارجية المنظمة.
ضجيح بلا طحن
وفيما يمثل تأكيدا للمثل القائل «أسمع ضجيجا ولا أرى طحنا» تواصلت الجهود الدولية دون نتائج ملموسة على أرض الواقع وفي ذلك المجال كذلك كان مسعى بريطانيا المتمثل في توزيع قرار يقضي بفرض عقوبات جديدة للأمم المتحدة على من يساهم في العنف وعدم الاستقرار في الصومال. وهو الأمر الذي لم يتم البت فيه حتى الآن، ما يؤكد تراخي الجهود المبذولة لوضع حد للأزمة.
ويدعو ذلك البعض إلى الإشارة إلى أن السيناريو الأكثر توقعا هو تأكيد المجتمع الدولي على خطورة القرصنة، ما قد يستدعي تعزيزا للأساطيل الدولية وعلى رأسها الأسطول الأميركي خاصة في ظل تزايد نفوذ المحاكم الإسلامية والمخاوف المبالغ فيها من غزوها للعاصمة مقديشو بهدف إسقاط الحكومة هناك وإعلان دولة إسلامية في الصومال.
ويعزز من هذا السيناريو اتهام الولايات المتحدة لهذه الجماعات بتوفير المأوى لعناصر القاعدة الذين قاموا بتدبير الهجوم على سفارتيها في نيروبي ودار السلام. وفي ظل راية خطر الإرهاب التي ترتفع عاليا قد يمثل ذلك مبررا كافيا لإحكام السيطرة بما فيها العسكرية على الأوضاع في الصومال من خلال مبرر القرصنة على نحو قد يشابه بصورة أو بأخرى تطورات ما جرى في أفغانستان والعراق.
إضاءة
أفرزت القرصنة أوضاعا جديدة في المجتمع الصومالي تتمثل في تحولها إلى ظاهرة مقبولة اجتماعيا وموضة رائجة حيث يستطيع القراصنة من خلال مهنتهم تلك الزواج من أجمل الفتيات وبناء أكبر المنازل وامتلاك أحدث السيارات وأحدث أنواع الأسلحة، وهو أمر يمكن استيعابه في مجتمع يعتمد فيه نصف السكان على المساعدات الغذائية على مدى 17 عاما منذ بدء الحرب الأهلية.