بدأت ظاهرة القرصنة البحرية بالبحر الأحمر وخليج عدن تأخذ أبعاداً جديدة بعد أن استفحلت وتسارعت معدلاتها في الفترة الأخيرة، وازدادت أعداد السفن المختطفة وأحجامها بشكل بات يهدد الملاحة العالمية ، وأدى إلى تغيير طريق الملاحة لكثير من الشركات إلى طريق رأس الرجاء الصالح باعتباره أكثر أمنا رغم كونه أكثر كلفة ، الأمر الذي ترتب عليه تهديد الأمن القومي لدول المنطقة كافة وتهديد الملاحة العالمية وزيادة حجم المخاطر التي تواجهها والأعباء المالية بسبب تغيير مسار الرحلة.
كما زادت الأعباء التأمينية لزيادة المخاطر ، وهو ما دفع عدداً من الدول الكبرى سواء الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية إلى إرسال قطع بحرية إلى المنطقة في محاولة منها للسيطرة علي الأوضاع في البحر الأحمر وخليج عدن ، إلا أن هذه القوات لم تفلح حتى الآن في تحجيم مخاطر القرصنة البحرية ، وتواصلت عمليات اختطاف السفن وكان أهمها ناقلة النفط السعودية ، وطالب القراصنة بفدية تقدر بنحو 250 مليون دولار بالإضافة لسفينة أخرى من هونج كونج ، وذلك في تحد صارخ للمجتمع الدولي. ومع ذلك فإن الواقع على الساحة العربية يشير إلى غياب التحرك الفعال رغم بعض التحركات هنا وهناك لاحتواء خطر الظاهرة والتي كان من أبرزها الاجتماع الذي استضافته القاهرة يوم الخميس 20 نوفمبر الجاري وترأسته مصر واليمن وشارك فيه بالإضافة إليهما كل من السعودية والسودان والأردن وممثل للحكومة الصومالية وجامعة الدول العربية بهدف وضع رؤية عربية محددة للتحرك لمواجهة أخطار القرصنة البحرية في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن.
تهديد للأمن القومي العربي
في مسعى لتحديد أبعاد الظاهرة وتأثيراتها على الأمن القومي العربي والموقف العربي منها يقول الأمين العام المساعد لجماعة الدول العربية للشؤون السياسية السفير أحمد بن حلي ان خطورة ظاهرة القرصنة البحرية على الملاحة العالمية وخاصة على الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر والتي تمثل تهديداً خطيراً لأمنها القومي وهو ما يستوجب التحرك السريع وتنسيق وتوحيد الجهود من هذه الدولة لمواجهة هذه الظاهرة لأن السكوت عنها وعدم الحسم في مواجهتها سيشجع هذه الجهات على التمادي في أعمال القرصنة وزيادة التهديدات للمنطقة وللملاحة العالمية.
وأبدى بن حلي دهشته من تنامي نشاط القرصنة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن خلال الآونة الأخيرة، مؤكداً ضرورة الربط بينها وبين الأوضاع غير المستقرة في الصومال خاصة وأن هذه الأوضاع غير المستقرة من شأنها أن تشجع على تنامي الجريمة العابرة للحدود وتشجع المنظمات الإرهابية والعصابات الدولية على استغلال الفراغ الأمني والسياسي وتردي الأوضاع الاقتصادية في الصومال لممارسة هذا العمل الإجرامي الذي من شأنه تعظيم مكاسبهم بشكل غير شرعي.
وحذر بن حلي من أن السكوت على ما يحدث من أعمال إجرامية ممثلة في القرصنة البحرية من شأنه أن يشجع أطرافا أخرى كثيرة إجرامية كانت أم إرهابية على اتباع نفس الأسلوب لتوفير الأموال اللازمة لتمويل أعمالها الإرهابية والإجرامية خاصة في ظل اضطرار الدول وشركات الملاحة للرضوخ لمطالبهم ودفع الدية المطلوبة حرصا على أرواح المختطفين وسلامة الباخرة.
وطالب بالتنسيق خاصة بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لاحتواء الظاهرة من خلال التنسيق الأمني والعسكري بين تلك الدول وبالتنسيق مع القوى الدولية الكبري، كما طالب بالتركيز خلال المرحلة المقبلة على حل الأزمة الصومالية سياسيا وإعادة بناء الدولة المنهارة والقضاء على الفراغ السياسي والأمني والعسكري هناك.
ودعا الى ضرورة التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر وبين القوى الدولية ودفع المجتمع الدولي للاهتمام بالمنطقة وإيجاد مشروعات مشتركة لملء الفراغ بالبحر الأحمر وخاصة فيما يتعلق بالصومال.
مردود اقتصادي سلبي
ومن جانبه، شدد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير حسام زكي على خطورة الوضع في البحر الأحمر وخليج عدن ، مشيرا إلى أن هذا من شأنه تهديد الأمن القومي لدول المنطقة خاصة المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن. وأضاف ان هذه الأحداث من شأنها أن يكون لها انعكاسات خطيرة على الأوضاع الأمنية والعسكرية في المنطقة ولها مردود اقتصادي بالغ السلبية على دول المنطقة.
وأضاف زكى:
إن مصر تقود جهدا عربيا للتشاور بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر للتشاور وبحث الخطوات المتتابعة لتأمين مصالح تلك الدول باستخدام كل الخيارات المتاحة ، مؤكدا أن كل الاحتمالات والخيارات المتاحة مرشحة للتعامل مع الموقف وأن مصر تتعامل مع ظاهرة القرصنة بمنتهى الجدية والإصرار على الموقف بما يتناسب وخطورته ومردوداته السلبية على الأمن القومي وأنه لا تهاون مع مسائل الأمن القومي.
وأشار إلى أن مصر تجري اتصالات متعددة الأطراف والجهات لبحث سبل مواجهة الموقف وحشد الجهود العربية والدولية لمواجهة الأزمة كما ينبغي، وبحث ما إذا كان سيتم الاكتفاء باستخدام الجانب السياسي والدبلوماسي أم سيتم التصعيد واستخدام إجراءات أخرى بديلة.
وأشار زكي إلى أن جميع الخيارات متاحة وجميع البدائل مفتوحة وأن مصر تبذل مساعي حثيثة وتحشد الجهود وتجري اتصالات على كل المستويات وبجميع القوى الفاعلة لبلورة رؤية عملية نستطيع من خلالها مواجهة خطر ظاهرة القرصنة التي أثرت فعليا على حركة الملاحة العالمية.
الأمر الذي أصاب كثيراً من الدول وشركات الملاحة بالفزع والخوف من المرور في المنطقة واللجوء إلى طرق بحرية بديلة واستبدال البحر الأحمر بطريق رأس الرجاء الصالح باعتباره أكثر أمنا وهو ما أثر بالفعل على قناة السويس والتي تعد من مصادر الدخل الأجنبي في مصر.
وحول إمكانية القيام بعمل عسكري في خليج عدن قبالة السواحل الصومالية للقضاء على ظاهرة القرصنة بالمنطقة وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن ، قال زكى: إن الدول التي لديها القدرة على القيام بمثل هذا العمل هي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأسيوية الكبري، واستطرد قائلا:
إن الهدف المصري هو أن نصل إلى وسيلة نؤمن بها المنطقة وهذا يتطلب جهدا مشتركا بين الدول المختلفة وفي مقدمتها بالطبع دول المنطقة باعتبارها المعني الأول بالمشكلة.
وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية: إن هناك عدة مقترحات في طور البحث والنقاش بين الدول المطلة على البحر الأحمر للتنسيق فيما بينها فيما يتم الاتفاق عليه ، من بين ذلك إنشاء مركز للمعلومات بهدف التعامل مع الظاهرة والملاحة وأمنها في هذه المنطقة وأفكار أخرى للتدريبات المشتركة لخفر السواحل.
وأفكار بتعميم نظم تحذيرية للسفن حال تعرضها للقرصنة، وأفكار للتنسيق وتبادل المعلومات حول الجوانب المختلفة ونقاط اتصال وطنية يمكنها إجراء الاتصالات ببعضها والتدخل وقت الخطر واتخاذ التدابير الاحترازية ، مشيرا إلى أن أمن البحر الأحمر هو مسؤولية جماعية ومن غير المستبعد التنسيق بين دول المنطقة والقوى الدولية.
مشكلة الفراغ السياسي الصومالي
ومن جانبه، أكد سفير الصومال ومندوبها الدائم بجامعة الدول العربية السفير عبدالله حسن، خطورة القرصنة على الأوضاع في المنطقة بما تمثله من تهديد لدولها لكل دولها ، معتبرا أن ما يحدث هو أمر طبيعي للانفلات الأمني القائم في الصومال والفراغ السياسي وحالة التمزق القائمة في ظل تراجع الدور الدولي والإقليمي وترك الشعب الصومالي فريسة للجوع والجفاف والأطماع السياسية والاضطرابات الداخلية، وانحسار الدور الدولي وخاصة العربي والإفريقي.
مؤكدا أن عودة الاستقرار والأمن للصومال هو الضمانة الوحيدة لاستقرار المنطقة باعتبار أن الأمن جزء لا يتجزأ ، ولابد من حل المشكلة الصومالية وتحقيق الاستقرار فيها ، مطالبا بدور عربي وإفريقي فاعل في الأزمة الصومالية لتجفيف منابع الإرهاب والقرصنة.
وأشار إلي أنه من الطبيعي أن تزدهر الجريمة المنظمة وترتفع معدلات التطرف والإرهاب في ظل الانفلات الأمني والفراغ السياسي الذي تعاني منه الصومال منذ عدة سنوات، وإهمال العالم وخاصة الدول العربية والإفريقية للقضية الصومالية واعتبارها قضية هامشية مقارنة مع الدول الأخرى.
ونوه السفير عبدالله حسن بالتحذيرات الكثيرة التي ساقتها الحكومة الصومالية الانتقالية مرارا وتكرارا حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية المتردية، وقال:
كثيرا ما طالبنا بدور دولي وعربي وإفريقي فاعل لمساعدة الحكومة الصومالية على إحكام سيطرتها على الأوضاع الأمنية والانفلات الأمني والمساعدة في تحقيق نمو اقتصادي يضمن حياة كريمة للصوماليين حتي لا يضطر الصوماليون الى اللجوء إلى طرق غير شرعية أو وسائل إجرامية للتغلب على صعوبات الحياة.
وقال: إننا سبق وحذرنا من أن الانفلات الأمني وعدم وجود قوات مسلحة صومالية من شأنه تشجيع الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية على اتخاذ الصومال كملجأ وملاذ آمن لها مستغلة الظروف المتردية القائمة، وكان يقال وقتها إننا نبالغ واننا نتخذ من ذلك ذريعة للحصول على المساعدات والمعونات التي لا تصل لأحد .
كما كان يقال «حلوا مشاكلكم بأنفسكم لا تنتظروا مساعدة من أحد» حتي وصل الأمر إلى ما وصل إليه والذي أصبح يمثل تهديدا للمنطقة ككل، والآن يبحثون في كيفية مواجهة هذا الخطر عندما اقترب منهم وأصبح يهدد العديد من الدول.
إضاءة
حول إمكانية القيام بعمل عسكري في خليج عدن قبالة السواحل الصومالية للقضاء على ظاهرة القرصنة بالمنطقة وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، قال الناطق باسم الخارجية المصرية إن الدول التي لديها القدرة على القيام بمثل هذا العمل هي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأسيوية الكبري، واستطرد قائلا: إن الهدف المصري هو أن نصل إلى وسيلة نؤمن بها المنطقة وهذا يتطلب جهداً مشتركاً بين الدول المختلفة وفي مقدمتها بالطبع دول المنطقة باعتبارها المعني الأول بالمشكلة.