استفحلت مشكلة القراصنة الصوماليين خلال الأسبوعين الماضيين، و صارت خطرا حقيقيا على الملاحة الدولية في كل من خليج عدن والبحر العربي والمحيط الهندي. وظهر الخطر جليا بعد اختطاف ناقلة النفط السعودية (سيريوس ستار)، وعلى متنها 25 بحارا من جنسيات مختلفة. وتعد الناقلة الأضخم عالميا في مجال النقل البحري، بل والأكبر التي يختطفها القراصنة منذ ممارستهم لجرائمهم في المياة الدولية قبل سنوات.
وبعد اختطاف هذه الناقلة وسع القراصنة من نشاطهم، وتمكنوا من اختطاف سفينة تنتمي الى هونج كونج، ثم أخرى يمنية كما حاولوا اختطاف سفينة سعودية ثانية، لكن البحرية الروسية تدخلت وتمكنت من انقاذها. وامام تصاعد نشاطات القراصنة سارع العديد من السفن وشركات النقل البحري العالمية الى الابتعاد عن منطقة الخطر مفضلين طريق رأس الرجاء الصالح عبر الدوران حول القارة الأفريقية، على الرغم من طول المسافة زمنيا بأكثر من شهر، إذا ما قورنت بطريق قناة السويس، التي تشير التقارير الى أنها تأثرت - حتى الآن - بدرجة طفيفة، لكن التأثير قد يزداد اذا ما اتسعت جرائم القراصنة بما يهدد كليا الملاحة في تلك الممرات الحيوية، التي تربط بين قارتي آسيا وأوروبا، خاصة وأن شركات التأمين العالمية لجأت الى رفع قيمة التأمين على السفن العابرة بالمنطقة. ومن المتوقع أن تزداد هذه القيمة اذا ما تعقدت الأمور.
وتعتبر هذه المنطقة ذات أهمية كبرى في خريطة الملاحة الدولية، حيث يمر بها سنويا نحو 16 ألف سفينة، كما ينتقل عبرها نحو ثلاثين بالمئة من النفط الخام.
وامام هذه المعطيات، فان القرصنة الصومالية تمثل تحديا عالميا على كل المستويات، خاصة العسكرية والسياسية والاقتصادية، اذ تجمعت فيها كل عناصر هذه المستويات الثلاثة:
على المستوى الأول، تعد القرصنة عملا عسكريا يمارسه مسلحون ضد مدنيين عزل، ومن ثم فانها اليوم- وبعد استفحالها - تمثل إخفاقا عسكريا( ولو بالتواطؤ) بالنسبة للقوى الكبرى في العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والحلف الأطلسي. فالدولة والحلف يلعبان دور شرطي العالم، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.
وعلى المستوى السياسي تعكس القرصنة حالة من الفوضى السياسية العالمية، لكونها تتحرك في منطقة حساسة ومضطربة تعاني من فراغ على مستوى الدولة في الصومال، وعلى المستوى الإقليمي للقرن الأفريقي، ولهذا السبب أيضا تتقاطر الى مياه العرب والأفارقة أساطيل هذه الدول سعيا لفرض سيادتها وسيطرتها.
أما على المستوى الاقتصادي فان الخطر يتمثل في القيمة الاقتصادية الإستراتيجية للممرات المستهدفة من جانب القراصنة، على ضوء ما تؤدي من دور حيوي عالمي في نقل النفط من الشرق إلى الغرب. وقد شكلت القرصنة بالفعل مع اختطاف الناقلة السعودية العملاقة (سيريوس ستار) تهديدا قويا لإمدادات النفط.
وتزداد قيمة هذه الممرات في الوقت الحالي بالنظر الى تداخل القرصنة مع الأزمة الأقتصادية العالمية، مما ينذر بتداعيات عاتية إن استفحلت المشكلة الى حد يهدد تدفق إمدادات النفط إلى أسواق الاستهلاك.
ونظرا لهذه التعقيدات يكون من العبث مناقشة القرصنة باعتبارها مشكلة صومالية أو أفريقية فقط، لأن آثارها امتدت الى خارج الحدود المحلية والإقليمية، ماجعل تدويلها يتم سريعا. و في ذلك تتشابه المشكلة مع الملابسات التي أحاطت بنشأتها.
وبالعودة الى الظروف التي تولدت منها المشكلة، نجد أنها نشأت بفعل ظروف متعددة محليا واقليميا ودوليا منذ العام 1991. فمنذ ذلك التاريخ يعيش الصومال حربا أهلية اندلعت اثر سقوط نظام الرئيس الراحل محمد سياد بري، ما أدى لانهيار الدولة وانتشار الفوضى.
وقد لعبت السياسة الأميركية دورا استراتيجيا في الصومال تحت ستار الحرب على الارهاب، انطلقت فيه من نظرية (الفوضى الخلاقة)، التي تبنتها ادارة الرئيس جورج دبليو بوش. وتجلى ذلك في إحباط الولايات المتحدة كل الجهود التي تستهدف العودة بالصومال الى الاستقرار، خاصة عندما لاح للمحاكم الاسلامية امكانية تحقيق هذا الهدف. فقد حرصت على إذكاء نيران الاقتتال الأهلي وتحريض أثيوبيا على احتلال البلاد.
كما ساعدت على تنصيب حكومة عميلة تفتقد الشرعية الداخلية، و تم توظيفها لمنح الاحتلال الأثيوبي والاعتداءات العسكرية الاميركية غطاء قانونيا. وقد أدت الفوضى في الصومال منذ العام 1991 الى موت نحو مليون صومالي بفعل هذه الصراعات، ونزوح نحو مليون أو أكثر الى الخارج.
ومع عدم قدرة الدولة المنهارة أو المجتمع التائه على حماية أبنائه، أو تلبية احتياجاتهم الأساسية كانت القرصنة ملاذا اتجه اليه البعض. وقد عبر عن ذلك أحد القراصنة بقوله: (نحن صيادون ضاعت مياههم وأراضيهم). وبين أسباب القرصنة ونتائجها،اتخذت دول العالم عدة إجراءات لمواجهة المشكلة، تمثلت في الخطوات التالية:
ــ اصدار مجلس الامن قراراين لمحاربة القرصنة، وقد خول القراران الدول باستخدام القوة العسكرية، بعد الحصول على موافقة الحكومة الصومالية. وكان الموقف الأوروبي هو المحفز لهذين القراراين.
ــ ازدياد التواجد العسكري للدول الكبرى في مياه الممرات المهددة بأعمال القرصنة، حيث كثفت فرنسا من وجودها البحري في جيبوتي من خلال قاعدتها العسكرية.
وقد استطاعت قواتها تحرير إحدى السفن الفرنسية المختطفة، والقبض على القراصنة. كما شكلت أوروبا قوة بحرية خاصة بمشاركة ثماني دول، وذلك بعد اختطاف القراصنة لسفينة أوكرانية على متنها 33 دبابة روسية.
ولم يفت الحلف الأطلسي ان يرسل مجموعة من السفن الحربية الى شواطيء الصومال تحت غطاء حماية المساعدات التي يرسلها برنامج الغذاء العالمي الى الصومال.
ومن جانبها أرسلت روسيا الاتحادية سفنا عسكرية الى المنطقة لانقاذ السفينة الأوكرانية المختطفة. واستطاعت البحرية الروسية انقاذ السفينة السعودية( رابح) من الاختطاف في خليج عدن. أما الهند فقد كلفت قواتها البحرية القيام بدوريات عسكرية، واستطاعت التصدي لاحدى هجمات القراصنة وتمكنت من اغراق قارب لهم.
*ابتعاد العديد من السفن عن الممرات المهددة،الي جانب لجوء شركات التأمين البحرية الى رفع قيمة التأمين على السفن والشحنات العابرة. وقد أدى هذا الاجراء الى رفع أسعار السلع والبضائع المنقولة من آسيا الى أوروبا.
ـ لجوء بعض الدول التي اختطفت سفن لها الى دفع أموال على سبيل الفدية الى القراصنة، مما زودهم بمصدر مالي ثري بلغ نحو ثلاثين مليون دولار خلال العام2007, مما مكنهم من تطوير قوتهم، وعزز من مكانتهم داخل المجتمع الصومالي، حتى أن القرصنة صارت مهنة الصفوة الثرية، التي يتطلع اليها الشباب.
وعلى الرغم من الخطر الذي شكلته القرصنة على الدول الأوروبية والآسيوية والأفريقية، الا أن الملاحظ ان اعمالها لم تطل- حتى كتابة هذه السطور- أي سفينة تحمل العلم الأميركي.
كما يلاحظ أيضا ان هناك عزوفا عسكريا أميركيا عن التصدي لهم على خلاف أوروبا وروسيا والهند، وذلك في الوقت الذي تنتشر السفن الحربية الأميركية في المناطق المهددة، بل ان العسكريين الأميركيين يميلون الى تضخيم القدرات العسكرية والقتالية والتكنولوجية للقراصنة، الى جانب الحرص على تبرئتهم من العلاقة مع الارهاب الدولي المتمثل من وجهة النظر الأميركية في تنظيم القاعدة.
وهو ما يعني أن الولايات المتحدة لاترى في القرصنة عملا من أعمال الارهاب الدولي، وذلك على خلاف وجهات النظر العالمية والعربية الأخرى، ومنها السعودية التي اعتبرت القرصنة من أعمال الارهاب.
وهنا يكون من الصعب استبعاد فرضية وجود صلة ما بين جرائم القراصنة و المصالح الأميركية في المنطقة، يمكن من خلالها توظيفهم لمنح المخططات الأميركية الرامية الى تدويل البحر الأحمر نوعا من الشرعية.
وقد ظهر ذلك في التأثير على مواقف الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، خاصة الموقفين المصري والسعودي، بعد تأثر قناة السويس، وبعد خطف الناقلة (سيريوس ستار).
فالموقفان المصري والسعودي لم يعرف عنهما منذ عقود تأييد اي تدخل دولي في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، باعتبارهما مياه عربية، وحمايتها من مهام دول المنطقة وحدها، لكن هذا الموقف الثابت تغير الى حد ما في المؤتمر الذي عقد بالقاهرة يوم الخميس الماضي (20نوفمبر).
وقد كان في خطف سفينة الشحن اليمنية قبل أيام رسالة من هذا النوع، وهذا التوظيف الأمني ليس هو الوحيد الذي يعود بالنفع على المصالح الأميركية، فليس من المستبعد أن يكون القراصنة (وبعضهم من الجنود السابقين في البحرية الصومالية) قد تحالفوا بالفعل منذ سنوات مع الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم القاعدة.
وأدوا خدمات جليلة لها من خلال تعقب وتفتيش السفن التي يشتبه في أنها تحمل أفرادا معادين للمصالح الأميركية أو أسلحة وموادا يمكن استخدامها ضد هذه المصالح، ومن ذلك منع نقل أسلحة الى الاسلاميين الصوماليين. وهنا قد يكمن السر في عدم اعتبار الولايات المتحدة ممارساتهم عملا من عمال الارهاب.
ويمكن ايضا النظر- ولو على استحياء- الى النتائج التي تمخضت عن أعمال القرصنة بأنها تقدم خدمة اقتصادية جليلة للولايات المتحدة ولو على المدى القصير، ومن ذلك ان رفع أسعار التأمين على السفن والبضائع يساهم في رفع تكاليف النقل بين أوروبا وآسيا، مما يرفع بالتالي أسعار المنتجات المنقولة، و يعطي في المقابل أفضلية لأسعار نظيرتها الأميركية في السوق الأوروبية من حيث السعر وسرعة التسليم.
وهو مايفتح الأسواق الأوروبية على مصاريعها أمام المنتجات الأميركية التي بدأت تعاني من الكساد في أسواقها الوطنية بفعل الأزمة الاقتصادية، خاصة وأن أعمال القرصنة ابعدت شركات النقل البحري الكبرى عن المرور في قناة السويس. وقد أدى اضطرار العديد من السفن للدوران حول أفريقيا الى تأخير قي وصول البضائع الآسيوية الى أسواقها الأوروبية.
ولعل هذا يفسر السر في القلق الأوروبي الزائد من القرصنة في مقابل الهدوء البارد من جانب الولايات المتحدة.
ومن الملاحظ أن الحلول التي اتخذتها الأطراف الدولية الكبرى حيال المشكلة انحصرت في إجراءات آنية بعيدة عن علاج السبب الرئيسي لها، وهو الأزمة الداخلية الصومالية، وهو ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار لوقت غير منظور. ومالم يتم حل المشكلة الصومالية من جذورها فان القرصنة سوف تبقى صداعا يؤرق العالم، ولن تستطيع الدول التي توظفها وتضبط حركتها السيطرة عليها مستقبلا.
إضاءة
ــ يبلغ طول السواحل الصومالية نحو 3700 كيلومتر، وتعد هذه السواحل الأطول في العالم لدولة من الدول. مما يعطي قدرة كبيرة للقراصنة على المناورة وسرعة التحرك. وتقدر بعض الإحصاءات عدد القراصنة بما يزيد على الألف رجل موزعين على مجموعات تقوم بمهام الاستطلاع والهجوم.
*يبلغ طول الناقلة السعودية (سيريوس ستار) 330 مترا، بما يساوي ثلاثة أضعاف طول حاملة طائرات، ومساحة أربعة ملاعب لكرة القدم.
وتتسع الناقلة لمليوني طن من البترول الخام بما يقدر بربع الإنتاج السعودي اليومي. أما ثمن الناقلة فيقدر بنحو 150 مليون دولار. ويطلب القراصنة مبلغ 25 مليون دولار للإفراج عنها.
أحمد الكناني