النجاح الذي أحرزه باراك أوباما لم يكن له وحده، وإنما لأبناء جلدته أيضا، وقد انعكس ذلك في التماهي الداخلي والخارجي معه، وتجلى ذلك ـ حتى الآن ـ في ثلاثة مؤشرات:

الأول: اعلان المغنية الأميركية السمراء بيونسيه رغبتها المشاركة في حفل تنصيب أوباما، متمنية أن تغني له مثلما فعلت الشقراء مارلين مونرو مع جون كيندي.

الثاني: تعيين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لرجل أسمر محافظا لمنطقة هوت بروفانس الواقعة بمنطقة الألب. والمحافظ الجديد مهاجر من أصول أفريقية، وذلك على خلاف ما هو مألوف عن ساركوزي، الذي اشتهر بمواقفه المتشددة تجاه المهاجرين منذ كان وزيرا للداخلية.

الثالث: إعلان الرئيس السوداني عمر البشير إيقاف القتال في إقليم دارفور وهو الذي كان يرفض الاعتراف بوجود مشكلة في الإقليم، ومن ثم كان يرفض الاعتراف بوجود حرب. هذه المؤشرات الثلاثة لا يمكن النظر إليها إلا من زاوية الزمن الأوبامي القادم على العالم.

وهذا ما شجع المغنية السمراء إلى التطلع لغزو البيت الأبيض من باب الغناء في حفل التنصيب، كي تدخل التاريخ مع الرئيس الجديد، كذلك أيضا كان اختيار العمدة الفرنسي، فنتائج الانتخابات الأميركية أثارت نقاشا فرنسيا حول الموقف من التعددية الديموغرافية.

أما الرئيس البشير فقد استبق وصول أوباما إلى البيت الأبيض وأعلن ما كان ينكره، حتى يغلق الباب من جانبه بشأن ما يتردد حول إبادة القبائل الأفريقية غير العربية. ربما تكون هناك عوامل أخرى وراء القرار، مثل الخوف من المحكمة الجنائية الدولية، أو الرغبة في السلام، لكن لا يمكن الفصل بين القرار والتوقيت.

هذه المؤشرات على بساطتها ليست إلا بداية متجددة لحالة عالمية من التماهي مع الأمركة أو العولمة الأميركية، تلك الحالة التي تجتاح العالم منذ سنوات حسب هوية حاكم البيت الأبيض، فقد اعتاد البعض أن يفعل ما تفعله أميركا.

فإذا أكلت الهامبورجر تبعها إلى المائدة، وإذا أكلت البيتزا تنكر لأصلها الايطالي لتصبح أميركية اللون والمذاق. ومن أجل ذلك أيضا ارتدى العالم الجينز، ولعب في ديزني، وتبرمج بالويندوز، وسارع خلف هوليوود، فصار لدينا بوليوود في الهند، وهوليوود الشرق في مصر.

ولهذا أيضا يعطس العالم كله هذه الأيام ويبكي من حرقة الأزمة المالية التي ضربت أميركا أولا. ذلك أن الحضارات الضعيفة لديها القابلية للاستعمار من جانب الأقوى. هذا التماهي الذي جرى بداية على خلفية اللون، سيجري منه الكثير على مستويات متعددة، في السياسة والاقتصاد والثقافة وغير ذلك.

لكنه في عالمنا العربي لن يكون سوى نوع من تأمين الذات من جانب كثير من النخب، فنحن الآن نسمع عن بلدان عربية تعد مشروعات لإنقاذ الطبقة الوسطى فيها. وهذا ما كان قد أعلنه أوباما في حملته الانتخابية بشأن الطبقة الوسطى الأميركية. لذا فان السؤال يعد مشروعا، لماذا هذه المشروعات العربية الآن؟ وأين كانت هذه الطبقة الوسطى العربية طوال السنوات الماضية؟

لقد برعت النظم المتخلفة في لعبة التماهي مع واشنطن، فعندما أعلن بوش الحرب على الإرهاب سار الجميع وراءه من دون سؤال عن معنى الإرهاب أو مفهومه. وعندما أعلنت أميركا أن الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية هي أزمة ترتيبات أمنية انطلاقا من رؤية شارون سار وراءها عرب كثيرون من دون مناقشة.

هذا بالضبط ما تلوح بوادره الآن، لكن المشكلة أن أوباما أعطى على امتداد حملته الانتخابية إشارات متناقضة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، سواء فيما يتعلق بالعراق أو القضية الفلسطينية. كما أنه لم يتحدث حول ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان. وكثير من نخب دول العالم الثالث لا يدري أيضا كيف سيتصرف الرجل إزاء معظم تركة بوش الخارجية، وهي الملفات التي تهمها.

يبدو أن العالم مقبل على زمن سيغير فيه جلده، لحساب مفاهيم أخرى تتوافق مع ما يراه الرئيس الأميركي الجديد صوابا. وهذا قد يكون جيدا إن أخذ بجدية، لكن ما سيحدث هو أن التغيير سيطال البشرة فقط، ولن يصل إلى العظم أو القلب. ومن لا يصدق فلينظر إلى خريطة العالم، ومنه العالم العربي على وجه الخصوص. وكأن هذا فقط هو التغيير الذي بشر به أوباما.