«قلت مرارا بأني أريد إغلاق معتقل غوانتانامو وسأفعل ذلك» بهذه الكلمات حاول الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما حسم الجدل الحاصل بشأن موقف إدارته الجديدة تجاه القضية المثيرة للجدل والتي أثارت علامات استفهام عديدة حول مدى التزام الإدارة الأميركية السابقة ـ إدارة بوش ـ بالحريات المدنية، وكانت حسب تعبير أوباما نفسه فصل محزن من التاريخ الأميركي.
فإلى مدى يمكن أن يصادف النجاح مسعى أوباما في ضوء العراقيل العديدة التي ستواجهها هذه الخطوة وما هي دلالات تبني إدارته لها؟ لقد كان أوباما واضحا خلال حملته الانتخابية التي حملت شعارا رئيسيا هو «التغيير» في الإشارة إلى أن إدارته ستمثل تحولا كبيرا على صعيد العديد من القضايا سواء الداخلية أم الخارجية عن إدارة بوش، ومن هنا كانت الانتقادات الحادة التي يوجهها لهذه الإدارة ولمنافسه الجمهوري جون ماكين باعتباره سيمثل امتدادا لهذه الإدارة.
غير أن مسعى إغلاق المعتقل قد يصادف بعض العقبات القانونية والسياسية على الصعيد الداخلي الأميركي وعلى صعيد الدول التي ينتمي اليها المعتقلون. فمن ناحية ستواجه الخطة معارضة قوية من الجمهوريين الذين يعارضون ترحيل المشتبه في تورطهم في قضايا إرهابية الى الولايات المتحدة.
وكذلك من بعض الديمقراطيين الذين يعارضون تشكيل محاكم جديدة تفتقد لتوفير حقوق كافية للمعتقلين. فضلا عن أن مقاضاة المعتقلين أمام محاكم فيدرالية يثير عددا من المشكلات فقد ترفض المحاكم الأدلة التي جمعت من خلال تحقيقات عسكرية أو مصادر استخبارية وتهملها.
كما أنه سيكون للمعتقلين الحق في مواجهة الشهود الذين قد يكون من بينهم ضباط في الاستخبارات مما يعني الكشف عن هوياتهم وتعريضهم للخطر والكشف عن أساليب استخباراتية. غير أن هذا الجانب قد يتم التغلب عليه حسبما أشارت الأنباء من خلال إطار خاص يقوم على تشكيل محاكم خاصة للتعامل معهم باعتبار أن القضايا التي سيتم تناولها تختص بقضايا تتعلق بالأمن القومي. وهنا من المتصور ان الجانب القانوني قد لا يمثل عقبة كبيرة ويمكن تجاوزه.
وعلى ذلك يمكن القول إن هذه الجوانب تبدو مشكلات ثانوية إزاء ما يمكن أن يمثله ذلك من تغيير لصورة الولايات المتحدة أمام العالم في ضوء تزايد حدة الانتقادات الداخلية والخارجية، وفي ذلك الصدد فقد بادرت العديد من الجماعات الحقوقية الى مطالبة أوباما بان يكون قرار إغلاق جوانتامو أول قرار يتخذه بعد تسلمه مهام الرئيس بشكل رسمي في يناير المقبل.
كما نشر اتحاد الحريات المدنية الأميركية إعلانا على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز تم فيه دعوة أوباما للالتزام بالدستور والمبادئ التي قامت عليها أميركا. وعلى ذلك فقد يكون القرار بالفعل الأول الذي سيتخذه أوباما لما له من مغزى رمزي على صعيد دلالته لجهة تعزيز وضع الحريات المدنية في أجندة الإدارة المقبلة، ما يعني أن المسألة في النهاية مسألة وقت ليس أكثر.
وليكون مثل هذا القرار قاطرة التغيير التي تمثل أول الغيث المنتظر من إدارة أوباما رغم اتجاه البعض الى التقليل من أهمية تركيز الإدارة على تلك القضية باعتبار أنها لم يكن ينبغي أن تحتل مرتبة أولى في أجندتها في ضوء أن العالم حافل بالمشاكل والأزمات التي تتطلب اهتماما أكبر.
وعلى الصعيد الخارجي نشير إلى أنه إذا كان المعتقل يضم الآن نحو 255 بعد أن كان يضم 800 منذ افتتاحه عام 2002، فإن الكثيرين ممن قد تسفر المحاكمة عن تبرئة ساحتهم، وهناك بالفعل 50 تم تبرئتهم بالفعل سيمثلون مشكلة تواجه الولايات المتحدة تتمثل في إعادتهم إلى بلدانهم خشية تعرضهم للتعذيب أو الاضطهاد .
وهى المشكلة التي قد تتطلب حرصا أكبر من إدارة أوباما باعتبار أن إغلاق المعتقل يأتي في إطار الحفاظ على حقوق المعتقلين وتوفير محاكمة عادلة لهم. وفي هذا الإطار وفيما يبدو وسعيا لحل المشكلة تشير الأنباء الى قيام مستشارين قانونيين ومسؤولين من الخارجية الأميركية بجولات في أنحاء اوروبا وشمال أفريقيا وأماكن أخرى لإقناع الدول التي ينتمي اليها المعتقلون بقبول مواطنيها من معتقلي جوانتانامو.
دبي ـ «البيان»: