بدأت في الأردن ما يمكن وصفه بحملة مكثفة تستهدف الحد من عمليات اغتصاب الأطفال وذلك على إثر تدخل الملك عبدالله عاهل الأردن خلال آخر لقاء له مع رؤساء تحرير الصحف اليومية. ورغم النسبة المتدنية لمثل هذه الجرائم في المملكة، إلا أن العاهل الأردني أكد ان أكثر ما يشغل باله هو مواجهة مظاهر الإساءة التي يتعرض لها الأطفال والمرأة.
وطالب الملك عبد الله الثاني «بإنزال عقوبات قاسية جداً على الذين يرتكبون جرائم اغتصاب الأطفال او الاعتداء على المرأة ومعاملتها معاملة غير انسانية». وأعرب الملك عن شعوره بالألم من حدوث هذه الجرائم في المجتمع الاردني، مؤكداً انه سيراقب ويتابع بنفسه الإجراءات القانونية والقضائية التي تؤدي الى الحد من هذه الجرائم والقضاء عليها لأنها تسيء لسمعة الأردن وللمجتمع الأردني، مشيرا إلى الدور الأساسي لوسائل الإعلام في مجال التوعية بضرورة وقف الإساءة للأطفال والعنف ضد المرأة.
وكان من بين الوقائع التي أثارت حالة من الجدل في هذا الصدد تلك المتعلقة باغتصاب أخ غير شقيق لأخته. وقد بدأ اكتشاف لغز هذه القضية مع سرد الأخ غير الشقيق لعدد من الروايات للمحققين حول اختفاء أخته وعلى ذلك بدأت وجهة تحقيقاتهم تركز عليه. لم يبق قاتل الطفلة البالغة من العمر 9 سنوات مجهولا سوى 12 ساعة فقط، فبعد أن ضيق رجال الأمن الخناق على الأخ غير الشقيق ليعترف بجريمته، بجلب القرائن والشواهد بأنه القاتل، انهار سريعا.
لقد دل الأخ القاتل قوات البادية الأردنية على الجثة في مجرى سيل قريب من مخيم الطالبية، حيث المكان الذي قتل فيه أخته من أبيه ووضعها في كيس بلاستيكي ورماها هناك. أما لماذا، فلأنه قام بإلاعتداء عليها جنسيا، وخشي من أن تقوم بالوشاية به فقام بقتلها. ووجه مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى القاضي أحمد العمري تهمتي القتل تمهيدا وتسهيلا، وجناية هتك العرض.
جريمة شنيعة
وحسب المصادر القضائية، فإن المتهم من أصحاب الأسبقيات الجرمية، وكان يعمل في محل أعلاف، وأنه استدرج أخته ليلة الجريمة إلى مجرى السيل، وقام بالاعتداء عليها. وحسب المصادر فإنه وبعد الانتهاء من فعلته الشنيعة معها قام بخنقها وقتلها بهدف إخفاء الجريمة وعدم ابلاغ العائلة بما فعله. وقالت ذات المصادر: ان المتهم لم يذهب في اليوم التالي لمكان عمله، وقام بمساعدة أهله بالبحث عن أخته، بعد أن أبلغ الأب عن اختفاء ابنته.
ويعتبر هذا النوع من الجرائم غريبا عن المجتمع. ويقول مستشار الطب الشرعي في المركز الوطني للطب الشرعي د. هاني جهشان: ان أسباب مثل هذا النوع من الجرائم يعود إلى ارتكاب العنف الجنسي من قبل الذكور. وأضاف: إن جريمة القتل مرتبطة بعوامل عديدة تتراوح بين ما يتعلق بالمجرم نفسه، وما يتعلق بعلاقته مع الآخرين، إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالبيئة المحيطة.
ومن المنتظر خلال سير المحاكمة أن تجرى معاينة القاتل نفسيا بعرضه على اختصاصي الطب النفسي بناء على طلب قضائي. فوفق ما ذكره د. جهشان الذي قال: إن العنف بما في ذلك العنف الجنسي هو مشكلة صحة عمومية. وحسب مستشار الطب الشرعي، فإن المقياس المعياري للعنف الجنسي هو عدد الحالات السنوية منسوبة الى عدد السكان وقال: هذا الرقم في المملكة لا يتجاوز 2. 2 لكل مئة الف مواطن بالسنة على مدى السنوات العشر الماضية، مشيرا الى ان معدل مثل هذه الجرائم في اميركا يصل إلى 35 حالة لكل مئة الف مواطن في السنة.
وفي المانيا يصل إلى 10حالات لكل مئة الف نسمة. وكانت أخصائية الطب الشرعي من المركز الوطني للطب الشرعي د. اسراء الطوالبة كشفت النقاب مؤخرا عن تسجيل بين 1300 ـ 1400 حالة اغتصاب لأطفال في الأردن سنويا، ولكن دون أن تصل هذه الحالات إلى القتل، كما فعل الأخ القاتل سابق الذكر. وأوضحت د. الطوالبة ان ظاهرة اغتصاب الأطفال شائعة أكثر من اغتصاب النساء لعوامل ترتبط بطبيعة المجتمع.
وعزت السبب في ذلك، خلال ندوة أقامها الاتحاد النسائي الأردني عقدت مؤخرا بعنوان «المرأة الطبيبة القيادية وإنجازاتها»، الى أن هدف المعتدي دائماً ارضاء غريزته، الأمر الذي يجعله يتجه للأطفال وبالذات الذكور لأنهم متواجدون في الشارع بشكل شبه دائم، إضافة إلى أن القانون لا يدرج الاعتداء على الأطفال الذكور في إطار الاغتصاب الذي قد تصل عقوبته الى الإعدام كونه لا يرتبط به فض بكارة.
إحصائيات وبيانات خطيرة
وأوضحت د. الطوالبة أمام الندوة، التي شاركت فيها طبيبات يابانيات كن في زيارة عمل إلى الأردن ان الثقافة الجنسية يمكنها أن تشكل وقاية من الاعتداء على الأطفال، لأن حالات كثيرة من الأطفال الذين تعرضوا لاعتداء لا يدركون أن ما يتعرضون له هو اغتصاب.
وأشارت إلى أن ما يعيق نشر هذه الثقافة المفاهيم الاجتماعية والنظرة التقليدية، وتمثلت في سلبية النظرة التقليدية بما يرتبط في الذهنية الشرقية عموما بالعار. وأوضحت أن الغرب يفرق بين الجنس بمفهومه المجرد والعنف «الاغتصاب» ويتعامل مع الحالة الأخيرة على أنها جنائية.
في هذا الإطار، تحدثت رئيسة مجلس إدارة النقابة اليابانية ياسوكا اودا عن الثقافة الجنسية في اليابان وقالت إنها مازالت من المحرمات، إلا أن الأمراض الجنسية في اليابان تشهد اهتماما من قبل الجهات الطبية.
تحذيرات من مجلس الأعيان
وكان مجلس الأعيان الجناح الثاني من مجلس الأمة الأردني قرر اتخاذ جملة من الإجراءات والقوانين الرادعة تجاه مغتصبي الأطفال في الأردن. وقالت رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة العين هيفاء أبو غزالة في تصريح صحافي لها إن وزارة التنمية الاجتماعية تعكف حاليا على إصدار قانون الطفل الذي يضمن حقوق الطفل، ويؤكد على ضرورة إنزال عقوبة صارمة لمغتصبي الأطفال.
ولم تستبعد العين أبو غزالة وجود توجه أو فكرة في مجلس الأمة لدعوة القائمين على هذه الدراسة لاستيضاح أكثر حولها في خطوة تبادر فيها المؤسسة التشريعية بالأردن للمساهمة في حل المشكلة.
وحسب أبو غزالة فرغم المصادقة على اتفاقية حقوق الطفل إلا أن الأردن يعاني من مشكلة اغتصاب الأطفال والتحرش بهم جنسيا. ويعتبر نقص الوعي الثقافي الجنسي لدى الأطفال، سبباً أساسياً يعرضهم للتحرش الجنسي من قبل أفراد العائلة والمجتمع.
إضاءة
شددت رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة العين هيفاء أبو غزالة على دور الأهل في توعية الطفل والانتباه من أي دخيل على الأسرة، وغالبا ما يكون موقف الأهل سلبيا في مواجهة مثل هذه القضايا، حيث في الأغلب يتم التنازل عن الحق الخاص خوفا من العار. ما يساهم بعدم ظهور الأرقام الحقيقية لهذه الحالة وفقا للمختصين. وأضافت ان هناك حوالي خمسة آلاف شكوى حول تعرض نساء إلى الاغتصاب تسجل سنويا، لكن ما بين 60 إلى 70 حالة فقط تثبت صحتها.
لقمان اسكندر