لا اختلاف على أن الزواج هو سنة من سنن الإسلام التي حث عليها وحض الشباب على الإسراع بالزواج انطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا الشباب «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ـ أي تكاليف الزواج ـ فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء ـ أي حافظ وساتر ـ كما طالب الرسول صلوات الله وسلامه عليه بتوخي الحذر في اختيار الزوجة فقال «تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها ودينها فأظفر بذات الدين تربت يداك».
إلا انه في السنوات الأخيرة زاد العزوف عن الزواج بمعناه المتعارف عليه وظهرت صور أخرى عن الزواج ربما يكون أشهرها الزواج العرفي ورغم أن بعض علماء الدين الإسلامي قد أباحوا الزواج العرفي على مضض لتلافي ظهور بعض الأخطار والظواهر الاجتماعية السلبية ومعالجة لأوضاع خاطئة قد تمت فعلا .
إلا أن الشباب العصري لم يكتف بهذا الزواج العرفي والذي انتشر بشكل كبير وإنما تفنن في ابتكار صور جديدة و«فانتستك» من صور الزواج التي انتشرت خاصة في صفوف طلبة الجامعات بشكل مخيف ليعطوا لأنفسهم المبرر لإرضاء شهواتهم على حساب صحيح الدين والفطرة التي فطر الله الناس عليها فظهر ما يعرف «بزواج الدم» و«زواج الوشم» و«زواج الكاسيت» وما خفي كان أعظم وادهى.
الغالبية طلبة وطالبات
في البداية، تؤكد رئيس المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في مصر الدكتورة عزة كريم أن الزواج العرفي أصبح ظاهرة مقلقة بعد انتشارها في صفوف الشباب بشكل كبير وخاصة بين طلبة وطالبات الجامعة، مشيرة إلى أن الأرقام والدراسات التي أجريت حول الزواج السري والعرفي مرعبة خاصة وأن بعضها ذهب إلى وجود حوالي 400 ألف حالة زواج عرفي من بينهم تقريبا 255 ألف طالب وطالبة ،يمثلون نسبة 17 في المائة من طلبة الجامعات المصرية، قد اختاروا الزواج العرفي.
ونوهت الدكتورة عزة كريم الى وجود أكثر من 15 ألف دعوى لإثبات بنوة المواليد من زواج عرفي حيث إن معظم الشاكيات كن يتقدمن بقضاياهن مصطحبات معهن أطفالهن على أمل إثبات بنوتهم بعد أن تنكر الزوج من الزواج ورفض الاعتراف ببنوة ابنه أو مزق ورقة الزواج العرفي.
وأرجعت الدكتورة عزة كريم سبب الزواج العرفي إلى ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة في المهور، وارتفاع نسبة العنوسة خاصة بين الفتيات وزيادة معدلات الطلاق بالإضافة إلى تخوف عدد كبير من الفتيات من الزواج نفسه بسبب المشاكل الأسرية التي تعرضن لها طيلة حياتهن ومعاناة أمهاتهن من الزواج ومسؤولية الأسرة.
منوهة الى أن إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى وجود أكثر من ثلاثة ملايين و800 ألف فتاة تجاوزن سن الثلاثين بدون زواج. وأوضحت أن ما تسبب في انتشار الزواج العرفي أكثر وأكثر هو اقتناع الشباب بمشروعية الزواج العرفي خاصة بعد أفتى بعض علماء الدين بأن الزواج يعد صحيحا بتوافر شاهدين وعرض وقبول.
وقالت إن العيوب الإجتماعية تلعب دورا كبيرا في تفاقم ظاهرة الزواج العرفي والسري، منها ارتفاع تكاليف الزواج من حيث استحالة حصول الزوج على الشقة والعمل، الى جانب أعراف وتقاليد الزواج بما له من متاعب ومشاق.
أساليب غريبة للزواج
ومن جانبها، كشفت استاذة علم النفس بجامعة عين شمس الدكتوة داليا مؤمن عن انتشار صور جديدة من الزواج بين صفوف الشباب خاصة طلبة الجامعات مثل الزواج بالكاسيت حيث يقوم الشاب والفتاة بتوثيق عقد زواجهما على شريط كاسيت ويقر فيه أيضا الشاهدان بشهادتهما على الزواج كما يقر المتزوجان فيه بأن يظل هذا الزواج سرا إلى أن تحين الفرصة المناسبة لإعلانه ويتم الاحتفاظ بهذا الشريط في مكان يعلمه الطرفان ويكون الطلاق بنفس الطريقة أن يتم تسجيل الانفصال على نفس الشريط.
وقالت إن كثيرا من الشباب يلجأون لحيلة مسح هذا الشريط أو التخلص منه بعد فترة وجيزة منه مستغلين انشغال الفتيات بالسعادة الزوجية المزعومة لتفاجأ الفتاة بعد فترة أنه لا يوجد أي إثبات أو دليل على علاقتها بالشاب وتجد نفسها أصبحت في الهواء خاصة وأن الشاهدين يكونان دائما من أصدقاء الشباب بحجة الحفاظ على سرية الزواج وكثيرا ما تكون هذه العملية تبادلية بمعنى أن الشاهد في الزواج هو عريس في زيجة أخرى والعريس هو الشاهد له وهكذا.
وأضافت : إن من صور الزواج التي ظهرت مؤخرا أيضا وانتشرت بشكل كبير هو الزواج بالدم بأن يجرح الشاب إصبع الإبهام الأيسر لقربه من القلب وتفعل الفتاة نفس الشيء ويتم وضع الإصبعين على بعضهما البعض لبعض الوقت حتى تختلط دماؤهما اعتقادا بأنه بهذه الطريقة لا يفترقان أبدا بعد أن اختلطت دماؤهما ويشهد على هذا الزواج الدموي شاهدان من أصدقائهما.
أما النوع الثالث الذي ثبت أيضا انتشاره من باب التغيير والتطوير و«الروشنة، كما تقول الدكتورة داليا مؤمن ، فهو الزواج بالوشم بأن يتم رسم صورة الفتاة واسمها على صدر الشاب بينما يتم رسم صورة الشاب وكتابة اسمه على كتف الفتاة وبالتالي يصبحان زوجين للأبد، فهذا الوشم لا يزال إلا بماء النار.
وأرجعت الدكتورة داليا مؤمن ذلك إلى غياب القدوة وافتقاد الرعاية الأسرية، ووجود فراغ ديني وثقافي وسياسي، والهروب من الضغوط والمشاكل المختلفة، وكذلك الرغبة في مسايرة المظاهر الخارجية والأجنبية وللأسف فشبابنا لا يختار إلا أسوأ ما في الغرب ويسعى لتقليده تقليدا أعمى بدون تفكير.
ضعف الرقابة الأسرية
أما رئيس جامعة الأزهر الأسبق الدكتور عبد الفتاح الشيخ، فقد حمل بشدة على مثل هذه الظواهر السلبية وانتقد بعنف تخاذل الفئات المنوط بها تحمل المسؤولية أمام الله قبل أي جهة أخرى وخاصة علماء الدين الذين لم يقوموا بدورهم كما يجب في رعاية وتنشئة هذا الشباب التنشئة الإسلامية الصحيحة وتعريفهم بصحيح الدين.
كما انتقد الأجهزة المسؤولة في الدولة لعدم توفير أنشطة ووسائل مناسبة يمكن أن تستفيد من جهد ووقت وتفكير الشباب بدلا من أن ينصرفوا إلى التفكير فيما يضر ولاينفع فيه وفيما يغضب الله ويخلق الكثير من المشاكل والقضايا للدولة والمجتمع هم في غنى عنها.
وأرجع الدكتور عبد الفتاح الشيخ تفشي ظاهرة الزواج السري وظهور صور جديدة من ذلك الزواج إلى التفكك الأسري، وضعف الترابط العائلي وانشغال الأبوين بمظاهر ومتطلبات الحياة اعتقادا منهما بأنهما بذلك يوفران الأجواء المناسبة لحياة أفضل لأبنائهما فإذا بهما يسوقونهما إلى مستنقع لا يعلم نهايته إلا الله، كما أرجع ذلك أيضا إلى ابتعاد الشباب عن دينهم وإلى الفراغ الثقافي والفكري والاجتماعي وغياب القدوة التي يعاني منها جميع الشباب.
إضاءة
طالب رئيس جامعة الأزهر الأسبق الدكتور عبد الفتاح الشيخ بإعادة النظر في تقنين إباحة الزواج العرفي ، مشيرا إلى أن إباحته كانت لتدارك أخطار كبيرة نتجت عن ظهوره في فترة من الفترات فقد كانت الرؤية أن يباح لدفع الضرر الذي يمكن أن يلحق بعدد كبير، إلا أن هذه الإباحة استغلت أسوأ استغلال من جانب الساعين للعيش في الظلام مثل الخفافيش لإشباع رغباتهم وشهواتهم هروبا من الحقوق ومما فرضه الله عز وجل وأوجب على الجميع الالتزام به .
القاهرة ـ «البيان»