من الصعب التنبؤ على وجه الدقة، بطبيعة التغييرات في ميدان السياسة الخارجية، التي سوف يقدم عليها الرئيس الأميركي المنتحب باراك أوباما في المنطقة العربية. ومن الصعب أيضا تخيل إمكانية استمرار السياسة الأميركية في المنطقة على ذات المسارات التي مرت عليها ادارة الرئيس جورج دبليو بوش. فتلك السياسة اثبتت فشلها الذريع على مدى السنوات الثماني الماضية، كما أنها محل رفض تام من دول المنطقة.
بين الماضي الكئيب والمستقبل القريب يكمن مأزق السياسة الأميركية، فليس من المتوقع أن ينقلب أوباما كلية على سياسة بلاده الخارجية في المنطقة العربية. كما أنه لا يمكنه المضي فيها، لأن ذلك يتناقض مع شعار (التغيير) العريض الذي رفعه خلال حملته الانتخابية، ذلك الشعار الذي مثل الوصفة السحرية لنجاحه داخليا والترحيب به خارجيا.
المتوقع ان ثمة تغييرات سوف تحدث دون قطيعة مع ما سار عليه أسلافه في المنطقة. ولكن هذه التغييرات ستتجمد في إطار ثوابت السياسة الأميركية التي استمرت على مدى ستة عقود. تلك الثوابت التي تتمثل في عدة أسس:
(1) الحفاظ على النفوذ الأميركي في المنطقة من خلال الهيمنة الاقتصادية و السياسية والعسكرية.
(2) استمرار تدفق النفط من حقول الإنتاج الى الأسواق العالمية، ومنها الأميركية خاصة، وبأسعار مقبولة.
(3) الالتزام بأمن اسرائيل وضمان تفوقها الشامل على كل الدول العربية.
(4) التصدي لأية تهديدات للأمن القومي الأميركي، يكون مصدرها المنطقة، وتمثل ذلك في الحرب على الارهاب. وهذا الهدف تم استحداثه فور سقوط الاتحاد السوفييتي، وتم التوسع فيه بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد شكل هذا الهدف مأزقا للسياسة الأميركية وللدول العربية على السواء خلال السنوات الثماني الماضية من حكم بوش.
هذه الثوابت لايستطيع الرئيس اوباما أو غيره التملص منها أو الابتعاد عنها، لكن باستطاعته تغيير الأدوات والوسائل. وهذا فقط ما يميز رئيسا أميركيا ما عن غيره. واليوم تبدو هذه الثوابت الأميركية محل رفض ومقاومة من شعوب المنطقة، بسبب السياسات التي اتبعها الرئيس جورج دبليو بوش. فتلك السياسات أدت الى تعقيد الأوضاع بعد احتلال العراق، وشن الحرب الإسرائيلية على لبنان، والى تأزيم القضية الفلسطينية داخليا وعربيا ودوليا، كذلك الحال في بقية أزمات المنطقة مثل جنوب السودان ودارفور، والعلاقات السورية الأميركية ، والملف النووي الإيراني.
حيث ان السياسة الأميركية قسمت العرب الى معسكرين تحت لافتتي الاعتدال والممانعة. وأدت سياسة الرئيس بوش في المجمل الى إضعاف محور الاعتدال. على الرغم من أن المحور الأول يضم الدول الصديقة لواشنطن. وانطلاقا من هذه المحصلة، فان السياسة الأميركية قادت المنطقة العربية الى طريق مسدود على كل الأصعدة، وهو ما يحتم اعادة النظر فيها، ومن ثم فان الرئيس الأميركي المقبل لا يملك ترف الاستمرار في نفس سياسة سلفه، وإلا فقدت واشنطن ما تبقى لها من نفوذ في المنطقة.
وهذا أول عنصر ضغط يحتم على الرئيس اوباما التوجه نحو التغيير. بما يسقط بعضا من مشروع وأدوات المحافظين الجدد الذين سيروا السياسة الخارجية الأميركية خلال حقبة سلفه. ويضاف الى ذلك ان الظروف الدولية والاقليمية والداخلية في المنطقة العربية وفي الولايات المتحدة لا تسمح بالاستمرار في تلك السياسة الفاشلة.
فالأزمة الاقتصادية العالمية تحتاج الى تكاتف دولي لمواجهتها، مما يحتم التعاون على كل دول العالم، ولا تستثنى الولايات المتحدة من ذلك، بل إنها وأوروبا تعولان كثيرا على البترول والأموال العربية للخروج من هذه الأزمة.
ويبرز عامل ثالث في رصيد التغيير، ويكمن في الفروق بين شخص الرئيس الجديد والقديم، من دون انتقاص من دور المؤسسات الأميركية التي تحدد ثوابت السياسة، فأوباما وصل الى موقعه مستندا الى دراسته في جامعة هارفارد، كما أنه لا ينتمي إلى ديناصورات السوق، ولا يهتم كثيرا بالأيديولوجيا الدينية، انه على خلاف الرئيس بوش رجل براجماتي في أدواته وأهدافه.
ومن ثم فليست له أطماعه الخاصة التي توظف المصلحة العامة، فهو دارس للقانون، وليس متعطشا للنفط مثل سلفه، وليس في حياته تطرف في الفشل أو في الدين، بل محاولات للتملص منه إن استلزم الأمر.
هذا الفشل الأميركي الى جانب ضرورات التغيير هما ما سيحكم سياسة اوباما تجاه المنطقة العربية خلال رئاسته الجديدة، بدرجات متفاوتة، لكن هذا التحرك المتوقع سيتسم بالمحدودية والبطء تجاه معظم القضايا، ومن ذلك أن الإدارة الأميركية الجديدة لن تغير من سياسة بلادها تجاه بعض المشكلات .
مثل مشكلة السودان سواء في الجنوب أو في دارفور، بل ربما تكون أكثر تشددا في التدويل الذي يطلق يدها ويد المؤسسات والقوى الدولية. لكنها ستولي الملفين العراقي والإيراني، أهمية أكبر إذا ما قورنا بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لأنهما الأكثر إلحاحا بالنسبة لما يراه الرئيس الجديد، ونظرا لعدم تبلور موقف عربي واضح من معظم القضايا ذات الصلة.
على صعيد العراق من المتوقع ان ينشط أوباما خطة بيكر هاملتون إلى أقصى مدى، مع وضع جدول زمني للانسحاب، وليس شرطا أن يلتزم فيه بمهلة الستة عشر شهرا التي طرحها خلال الحملة الانتخابية، إنما سيسعى أولا إلى معرفة رأي البنتاجون في إمكانية الاتفاق على المدى الزمني، ذلك أن العسكريين يخالفونه الرأي حول هذا المدى عندما زار العرق إبان الانتخابات.
ومن المتوقع أن يرتبط المدى الزمني بتوافقات أمنية، لتعزيز المطالب الأميركية بشأن القواعد العسكرية الدائمة، فالأمر لن يعدو عملية إعادة توزيع للقوات والمهام بين العراقيين والأميركيين للحد من الخسائر المالية والبشرية والعسكرية الأميركية، من أجل التفرغ ـ حسب رؤية أوباما ـ لما هو أخطر في أفغانستان، في إطار الحرب على القاعدة وطالبان.
أما على صعيد الملف النووي الإيراني، فان الأجواء مهيأة بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى صيغة جديدة تحكم العلاقات بين الطرفين. فالاتصالات التي تمت بين واشنطن وطهران على امتداد الفترة الماضية، ساهمت في تخصيب التقارب و تجميد الخلافات إلى حد ما. وكان أوباما قد أبدى استعدادا للدخول في مفاوضات مع إيران، ومن جانبها لا تمانع إيران في ذلك. ومن المتوقع أن تشهد رئاسته تخفيفا للتوتر بين البلدين، بما يحقق لكل منهما بعضا من أهدافه.
ومن ذلك الاعتراف بسلمية البرنامج الإيراني، والتوقف عن محاولات إسقاط النظام الإسلامي، وليس مستبعدا أن تقر واشنطن لطهران بدور إقليمي في رسم سياسات المنطقة، مقابل ضمان أمن الخليج وتدفقات النفط، وتقديم تنازلات إيرانية واسعة في العراق وأفغانستان بما يحقق استقرار قوات الاحتلال الأميركي. وقد تشمل الصفقة الإيرانية الأميركية مجالات أوسع منها التعهد بعدم المساس بأمن إسرائيل، وهو ما يعني الحد من الدعم الإيراني لكل من المقاومتين اللبنانية والفلسطينية.
وذلك في مقابل إعادة مزارع شبعا، والتزام إسرائيل بعدم الاعتداء، بل والإقرار بدور محوري و أكثر فعالية لحزب الله في رسم السياسة اللبنانية. أما على صعيد المقاومة الفلسطينية، فان التطورات الإيرانية الأميركية المرتقبة سوف تلقي بظلالها على الساحة الفلسطينية، ضمن إطار التهدئة، وبما يضمن دخول فصائل المقاومة المدعومة من إيران في أية مفاوضات فلسطينية إسرائيلية أو على الأقل عدم مناوءتها.
وسيلعب المتغير الإيراني أيضا دوره في أية تحركات سلمية بالمنطقة العربية على الساحات الفلسطينية والسورية واللبنانية، بما قد يفوق دور الدول العربية المحورية الكبرى التي أضعفت دورها بالارتهان الكامل للإرادة الأميركية طوال العقود الماضية. و تبعا لذلك فان الشك يحيط إمكانية استمرار مجموعة 6+2+1 التي شكلت ضد إيران و ضد فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان.
ولكن التقارب المتوقع بين أميركا وإيران لن يمنع من استمرار السياسة الأميركية في الحد من النفوذ الإيراني بالطرق الدبلوماسية ، ومن ذلك تدعيم التقارب بين سوريا وإسرائيل، والكف عن مناكفة القوة العسكرية الأميركية لسوريا والتي كان أحدثها الغارة على منطقة البوكمال في أكتوبر الماضي.
وهو ما يعني أيضا إمكانية التوجه نوعا من التقارب الأميركي السوري، وتوفير غطاء دبلوماسي للمفاوضات السورية الإسرائيلية، وهو ما دعت إليه دمشق مرارا في عهد الرئيس بوش الابن. ولهذا من المتوقع أن تنشط الدبلوماسية الأميركية الجديدة في هذا المسار.
ولا يعني التحرك الأميركي المتوقع في هذه الاتجاهات إمكانية الوصول إلى تسوية شاملة للأزمات الشرق أوسطية ، وإنما ستدار هذه الأزمات فقط بما يحقق مصالح واشنطن الآنية وفق ما تراه إدارة أوباما. فليس من المتوقع التوصل إلى تسوية حقيقية وعادلة للصراع العربي الإسرائيلي، لأن ما سيجري مجرد عمليات تبريد، بما يضمن هدوء الأوضاع كي تتفرغ أميركا لحل أزماتها ومنها أزمتها المالية مستفيدة من تدفق الأموال العربية.
ويشجعها على ذلك الضعف العربي وغياب الرؤية الموحدة في مقابل التشدد الإسرائيلي. فالعرب لم يبلوروا بعد رؤية عربية موحدة للتعامل مع الإدارة الجديدة، بخلاف إسرائيل التي تشتبك مع سوريا منفردة في مفاوضات عبر الوسيط التركي. كما دعت إلى مفاوضات مع لبنان حول مزارع شبعا، وتتلاعب بالمفاوضات مع سلطة رام الله بينما تحاصر غزة.
وأخيرا ألقت إسرائيل عبر شمعون بيريز بقنبلة دخان تمثلت في الدعوة للتفاوض حول المبادرة العربية. وكأنها تمهد الأجواء أمام القادم الجديد إلى البيت الأبيض، فهي لم تقدم تعهدات أو التزامات بشأن المبادرة.
بل إنها وجهت دفة اللجنة الرباعية لاعتبار مؤتمر أنابوليس المرجعية لأية مفاوضات فلسطينية إسرائيلية، متجاهلة قرارات مجلس الأمن التي تستند إليها بنود المبادرة العربية، وهو موقف متناقض في آن واحد، بل إن تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية وزعيمة حزب كاديما دعت أوباما، من فوق منبر المنظمات اليهودية في نيويورك، في مطلع الأسبوع، إلى عدم اختراق الخطوط الحمراء التي توافقت عليها أميركا وإسرائيل طوال الإدارات السابقة.
وفي ظل فقدان العرب لوسائل الضغط الفعالة على الإدارة الأميركية الجديدة، فان حظوظهم معها واهية للغاية على صعيد تحقيق أية نجاحات، بل ان أوباما نفسه أرسل إشارات بهذا المعنى خلال حملته باختيار جوزيف بايدن نائبا له، والرجل معروف بتأييده المطلق لإسرائيل، وصوت إلى جانب إدارة بوش للحرب على العراق، وهو من دعاة تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق بين الشيعة والسنة والأكراد. وفي الجوهر يمثل بايدن امتدادا أوباميا لسياسة إدارة بوش في المنطقة العربية.
وسوف يلعب الرجل دورا مؤثرا في شؤون المنطقة داخل إدارة أوباما، إذ كان اختياره للمنصب يستهدف استكمال النقص الذي يعاني منه الرئيس الجديد على صعيد السياسة الخارجية، باختصار هو قادم من أجل إدارة هذه السياسة. كما كان في اختيار رام ايمانويل كبيرا لموظفي البيت الأبيض إشارة أخرى لدول المنطقة. وإذا ما أتم أوباما اختيار هيلاري كلينتون لوزارة الخارجية، فانه يكون قد وضع سياسته وفق ما تريد إسرائيل وتشتهي.أما العرب فلن يحصدوا إلا التمنيات.
إضاءة
على صعيد العراق من المتوقع ان ينشط أوباما خطة بيكر هاملتون إلى أقصى مدى، مع وضع جدول زمني للانسحاب، وليس شرطا أن يلتزم فيه بمهلة الستة عشر شهرا التي طرحها خلال الحملة الانتخابية، إنما سيسعى أولا إلى معرفة رأي «البنتاغون» في إمكانية الاتفاق على المدى الزمني، ذلك أن العسكريين يخالفونه الرأي حول هذا المدى عندما زار العرق إبان الانتخابات.
ومن المتوقع أن يرتبط المدى الزمني بتوافقات أمنية، لتعزيز المطالب الأميركية بشأن القواعد العسكرية الدائمة، فالأمر لن يعدو عملية إعادة توزيع للقوات والمهام بين العراقيين والأميركيين للحد من الخسائر المالية والبشرية والعسكرية الأميركية، من أجل التفرغ ـ حسب رؤية أوباما ـ لما هو أخطر في أفغانستان، في إطار الحرب على القاعدة .
أحمد الكناني